شاع افتراض أن كبار السن المتعلمين سيجدون الأجهزة الرقمية والإنترنت سهلة الاستخدام كما يجدها جيل الشباب، غير أن الواقع أعقد من ذلك، فالجيل الذي لم يولد في العالم الرقمي بل اضطر إلى تعلم تقنياته في منتصف عمره أو أواخره يُعرف بالمهاجرين الرقميين، وكثير منهم أجبرتهم ضغوط بيئة العمل على التكيف مع تقنيات المعلومات للبقاء والازدهار مهنيًا، وتنطلق هذه الدراسة من مفهوم الفجوة الرقمية لتتساءل عما إذا كانت هذه الفجوة بين المهاجرين الرقميين والمواطنين الرقميين قائمة فعلًا بين مستخدمي التجارة الإلكترونية، وما إذا كان المهاجرون الرقميون أقل إقبالًا على تبني خدمات التجارة الإلكترونية واستخدامها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق من وجود الفجوة الرقمية المفترضة بين المهاجرين الرقميين والمواطنين الرقميين بين مستخدمي التجارة الإلكترونية في الهند، وبيان أثرها في سلوك تبني الخدمات واستخدامها، وجمعت البيانات باستبانة ذاتية الإدارة من 432 مستخدمًا هنديًا للإنترنت تراوحت أعمارهم بين 19 و65 عامًا، وحللت البيانات بأسلوب نمذجة المعادلات البنائية متعددة المجموعات الذي يتيح مقارنة مسارات التأثير بين المجموعتين الجيليتين مقارنة دقيقة
ثانيًا: أبرز النتائج
كشف تحليل نمذجة المعادلات البنائية متعددة المجموعات أن المهاجرين الرقميين والمواطنين الرقميين يدركون خدمات التجارة الإلكترونية بصور مختلفة، بما يؤكد وجود فجوة رقمية إدراكية وسلوكية بين الجيلين، فالمهاجرون الرقميون يجدون خدمات التجارة الإلكترونية صعبة الاستخدام قياسًا إلى المواطنين الرقميين الذين نشؤوا مع هذه التقنيات وألفوها، غير أن هذه الصعوبة لم تمنع المهاجرين من التبني والاستخدام
فقد تبين أن إدراك المهاجرين الرقميين الأعلى لفائدة خدمات التجارة الإلكترونية يدفعهم إلى تبنيها واستخدامها رغم ما يواجهونه من تحديات في سهولة الاستخدام، أي إن قناعتهم بجدوى الخدمة ومنافعها العملية تعوض ما يفتقدونه من طلاقة تقنية، وهو ما يفسر استمرار إقبالهم على التجارة الإلكترونية وتنامي حضورهم فيها
وتكتسب هذه المقارنة أهميتها من التركيبة السكانية للأسواق الناشئة، إذ يشكل المهاجرون الرقميون شريحة واسعة من المستهلكين ذوي القدرة الشرائية المتنامية، وتجاهل خصوصية تجربتهم الرقمية قد يحرم المنصات من قاعدة عملاء كبيرة، فهؤلاء مستخدمون تعلموا التقنية تعلمًا مقصودًا مدفوعين بحاجات العمل والمعيشة، لا بالميل الفطري للتجريب، ومن ثم فإن علاقتهم بالخدمات الرقمية علاقة نفعية براغماتية منذ البداية، تتقدم فيها الفائدة العملية على متعة الاستكشاف، وهو ما أعادت الدراسة تأكيده بأدلة قياسية مقارنة بين المجموعتين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة في الأدبيات القائمة بتوسيع فهم سلوك تبني التقنية لدى المهاجرين الرقميين، وتبين لمقدمي خدمات التجارة الإلكترونية أن هذه الشريحة الواسعة من المستخدمين لا تحتاج إلى إقناع بجدوى الخدمة بقدر ما تحتاج إلى تبسيط تجربة الاستخدام وخفض أعبائها المعرفية، فتصميم واجهات أيسر وتقديم دعم إرشادي مناسب قد يحول مستخدمين مترددين إلى عملاء دائمين، كما توجه الدراسة الباحثين إلى أجندة مستقبلية لدراسة تبني التقنية عبر الأجيال الرقمية في سياقات مجتمعية أخرى
كما تلقي النتائج ظلالًا على نظريات تبني التقنية عمومًا، إذ تبين أن سهولة الاستخدام المدركة، وهي ركن كلاسيكي في هذه النظريات، ليست شرطًا حاسمًا للتبني حين تكون الفائدة المدركة عالية بما يكفي، وهو ما يعيد ترتيب أولويات مصممي الخدمات الرقمية، فبدلًا من الاكتفاء بتبسيط الواجهات يتعين عليهم إبراز القيمة العملية الملموسة للخدمة في حياة المستخدم اليومية، وبخاصة لدى الأجيال التي تقيم التقنية بميزان المنفعة لا بميزان الألفة والعادة
وتتقاطع نتائج الدراسة مع تحولات أعمق في الاقتصادات الناشئة، إذ تتسارع رقمنة الخدمات الحكومية والمصرفية والتجارية بوتيرة تفرض على جميع الأجيال التعامل مع القنوات الإلكترونية، فتتحول قدرة المهاجرين الرقميين على التكيف من مسألة تفضيل شخصي إلى شرط للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية الكاملة، ومن هنا فإن فهم دوافع تبنيهم ومثبطاته يخدم أهداف الشمول الرقمي والمالي معًا، ويمد الجسور بين أجيال تتعايش داخل الأسرة والسوق ذاتها وتتشارك الأجهزة والمنصات ذاتها رغم تباين خبراتها
وخلاصة القول إن الفجوة الرقمية بين المهاجرين الرقميين والمواطنين الرقميين قائمة في إدراك سهولة استخدام التجارة الإلكترونية، لكنها لا تتحول إلى فجوة في التبني، لأن إدراك الفائدة القوي لدى المهاجرين الرقميين يدفعهم إلى تجاوز صعوبات الاستخدام، وهو درس عملي بأن قيمة الخدمة المدركة قد تكون أقوى من طلاقة المستخدم التقنية في تحديد مصير التقنيات الجديدة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








