يتزايد انتشار التدريس بوساطة اللغة الإنجليزية في الجامعات حول العالم، ويجد المعلمون أنفسهم أمام مهمة مزدوجة تجمع بين إتقان المحتوى العلمي وإدارة فصل دراسي بلغة غير لغتهم الأم، وفي هذا السياق تبرز القيادة الصفية التحويلية بوصفها عاملًا قد يغذي شعور المعلم بقدرته على التدريس الفعال، وتنطلق هذه الدراسة من مفهوم التمكين الذاتي النفسي لتفحص العلاقة بين القيادة الصفية التحويلية لدى معلمي التدريس بوساطة اللغة الإنجليزية وكفاءتهم الذاتية في التدريس، ومكونات كل منهما الأكثر ارتباطًا بالآخر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بيان طبيعة العلاقة بين القيادة الصفية التحويلية والكفاءة الذاتية في التدريس لدى معلمي التدريس بوساطة اللغة الإنجليزية، وتحديد مكونات القيادة الأكثر إسهامًا في التنبؤ بالكفاءة الذاتية، واعتمدت بيانات التقرير الذاتي المجمعة من 188 معلمًا للتدريس بوساطة اللغة الإنجليزية في جامعة حكومية صينية، وحللت البيانات بأساليب الارتباط والانحدار المتعدد وتحليل التباين، مع فحص تغير القيادة الصفية والكفاءة الذاتية بتغير خبرة المعلم في هذا النمط من التدريس
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر تحليل الارتباط وجود علاقة موجبة وثيقة بين القيادة الصفية التحويلية والكفاءة الذاتية في التدريس، إذ بلغ معامل الارتباط بينهما 0.70 بدلالة إحصائية عالية، وأسهمت القيادة الصفية بنسبة 48 في المئة من تباين الكفاءة الذاتية لدى المعلمين، وبين مكونات الكفاءة الذاتية الثلاثة حققت الكفاءة الذاتية في إشراك الطلاب أعلى ارتباط بالقيادة الصفية، إذ بلغ معامل ارتباطها 0.66 بدلالة إحصائية واضحة، وهو ما يشير إلى أن القيادة التحويلية تتجلى ثمارها أول ما تتجلى في قدرة المعلم على استثارة مشاركة طلابه
كما أظهر تحليل الانحدار المتعدد أن الكفاءة الذاتية في التدريس يتنبأ بها دلاليًا مكوّنان من مكونات القيادة الصفية، هما التحفيز الفكري بمعامل انحدار معياري قدره 0.29، والتأثير المثالي بمعامل قدره 0.24، وكشفت نتائج تحليل التباين أن القيادة الصفية تتزايد مع خبرة المعلم في التدريس بوساطة اللغة الإنجليزية حتى تبلغ ذروتها عند عشر سنوات من الخبرة ثم تتراجع بعد ذلك، بينما تتزايد الكفاءة الذاتية في التدريس تزايدًا مستمرًا مع الخبرة دون تراجع
ويمنح تفكيك الكفاءة الذاتية إلى مكوناتها صورة أدق لمواطن القوة في العلاقة، فكون كفاءة إشراك الطلاب هي الأعلى ارتباطًا بالقيادة الصفية ينسجم مع طبيعة القيادة التحويلية التي تعمل عبر إلهام المتعلمين واستثارة دافعيتهم، كما أن تفوق التحفيز الفكري والتأثير المثالي في التنبؤ يشير إلى أن ما يرفع ثقة المعلم بنفسه ليس الإدارة الإجرائية للفصل، بل قدرته على تحدي تفكير طلابه وتقديم نموذج مهني يحتذى، وهي مهارات قابلة للتعلم والتدريب خلافًا لما قد يتصور من أنها سمات فطرية ثابتة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج آفاقًا جديدة لتنمية الكفاءة الذاتية لدى معلمي التدريس بوساطة اللغة الإنجليزية، إذ توجه برامج إعدادهم وتطويرهم المهني نحو بناء مهارات القيادة الصفية التحويلية، وبخاصة التحفيز الفكري والتأثير المثالي، بدلًا من الاقتصار على الكفاية اللغوية والمعرفية، كما تنبه إدارات الجامعات إلى أن ذروة القيادة الصفية عند منتصف المسار المهني تستدعي دعمًا متجددًا للمعلمين الأكثر خبرة حتى لا تتراجع قيادتهم، بينما تنمو كفاءتهم الذاتية باطراد يمكن البناء عليه
كذلك يستحق المساران الزمنيان المختلفان للقيادة والكفاءة وقفة تأملية، فبينما تواصل الكفاءة الذاتية نموها مع تراكم الخبرة بفعل إتقان المهارة وتراكم خبرات النجاح، تتراجع القيادة الصفية بعد عقد من الممارسة، وربما يعزى ذلك إلى فتور الحماس أو أعباء الروتين أو تحول الأولويات المهنية، وهي إشارة عملية إلى أن برامج التطوير المهني ينبغي أن تفرق في تصميمها بين المعلمين بحسب مراحلهم المهنية، فتغذي القيادة لدى القدامى بمحفزات متجددة وتصقل الكفاءة لدى الجدد بخبرات نجاح مدروسة
وتتصل هذه النتائج بسياق أوسع يشهد توسعًا سريعًا في برامج التدريس بوساطة اللغة الإنجليزية في التعليم العالي الآسيوي والعالمي، إذ يُطلب من أعضاء هيئة التدريس التدريس بلغة أجنبية دون إعداد قيادي وصفّي موازٍ في الغالب، ومن ثم فإن إثبات إمكان تنمية كفاءتهم الذاتية عبر القيادة الصفية التحويلية يقدم للجامعات مسارًا تطويريًا منخفض الكلفة نسبيًا قياسًا ببرامج التأهيل اللغوي الطويلة، ويعيد الاعتبار للبعد القيادي في هوية المعلم الجامعي المعاصر بوصفه قائد تعلم لا ناقل معرفة فحسب
وخلاصة القول إن القيادة الصفية التحويلية رافد قوي للكفاءة الذاتية في التدريس لدى معلمي التدريس بوساطة اللغة الإنجليزية، تفسر قرابة نصف تباينها وتتنبأ بها عبر التحفيز الفكري والتأثير المثالي، وهو ما يجعل تنمية هذه القيادة مدخلًا عمليًا واعدًا لرفع ثقة هؤلاء المعلمين بقدرتهم على إشراك طلابهم وتعليمهم بفعالية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








