يتسع الاعتماد على العروض المرئية في تعليم المهارات الحركية وتعلمها، ويبرز في هذا السياق سؤال تصميمي مهم عن عدد النماذج التي ينبغي أن تظهر في المقطع التعليمي الواحد، وعن أثر مشاهدة المتعلم للمقطع منفردًا أو بمشاركة زميل له، فقد تتغير تجربة التعلم ونتائجه بتغير هذين العاملين، وتتناول هذه الدراسة هذه المسألة تجريبيًا في سياق تعلم مهارة حركية محددة هي مهارة تاباتا القائمة على التدريب المتقطع عالي الكثافة لمدة أربع دقائق، فتقارن بين عرض بنموذج واحد وعرض بستة نماذج، وبين المشاهدة الفردية والمشاهدة الثنائية، لتحديد التوليفة الأنسب لتعزيز حضور المتعلم الاجتماعي ودافعيته وانتباهه ورضاه عن التعلم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص الأثر التفاعلي لعدد النماذج في المقاطع المرئية ونوع المشاهدة في اكتساب مهارة تاباتا لدى طلاب الجامعة، واعتمدت تصميمًا تجريبيًا وزعت فيه ثلاثمائة وستة عشر طالبًا جامعيًا صينيًا، منهم مائة واثنتان وستون طالبة ومائة وأربعة وخمسون طالبًا، توزيعًا عشوائيًا على ظروف المشاهدة المختلفة، فشاهد بعضهم عرضًا بنموذج واحد وشاهد آخرون عرضًا بستة نماذج، وذلك إما منفردين وإما في أزواج، ثم قيس لدى المتعلمين مستوى الحضور الاجتماعي والتفاعل شبه الاجتماعي والشراكة الاجتماعية مع النماذج والدافعية والرضا عن التعلم والانتباه، بما يسمح بالحكم على تجربة التعلم المرئي من جوانبها الوجدانية والمعرفية المتكاملة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المتعلمين الذين شاهدوا المقاطع منفردين أدركوا مستويات أعلى من الحضور الاجتماعي والتفاعل شبه الاجتماعي والشراكة الاجتماعية مع النماذج والدافعية والرضا عن التعلم والانتباه حين تعلموا من مقطع يعرض ستة نماذج مقارنة بمن تعلموا من مقطع يعرض نموذجًا واحدًا، وهو ما يشير إلى أن تعدد النماذج يثري تجربة المشاهدة الفردية ويمنح المتعلم إحساسًا أقوى بالصحبة والمشاركة رغم غياب الشريك الحقيقي، كما يعزز انتباهه للمحتوى ويزيد رضاه عن تجربة التعلم ودافعيته لمواصلتها، وتبرز هذه النتيجة قيمة التنويع البصري والاجتماعي داخل المقطع الواحد حين يتعلم الطالب وحده بعيدًا عن زملائه
وتكتسب هذه النتائج معناها من طبيعة المقاييس المستخدمة، فالحضور الاجتماعي يقيس شعور المتعلم بأنه في صحبة آخرين أثناء المشاهدة، والتفاعل شبه الاجتماعي يقيس إحساسه بعلاقة ودية أحادية الاتجاه مع النماذج الظاهرة على الشاشة، وقد ارتفعت هذه المشاعر جميعًا لدى المشاهد المنفرد حين تعددت النماذج، وكأن تنوع الأجسام المتحركة أمامه يحاكي أجواء التعلم الجماعي ويخفف شعور العزلة الذي يصاحب التعلم الفردي عبر الشاشة، كما رافق ذلك ارتفاع في الدافعية والانتباه والرضا عن التعلم، وهي مكونات وجدانية ومعرفية ترتبط عادة باستمرار المتعلم في الممارسة وإتقانه المهارة المستهدفة، ما يجعل أثر تعدد النماذج ممتدًا من تجربة المشاهدة إلى فرص التعلم الفعلي ذاتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات عملية لتصميم العروض المرئية الموجهة لتعليم المهارات الحركية، إذ تشجع المعلمين ومصممي المحتوى التعليمي على تقديم نماذج متعددة في مقاطعهم بدلًا من الاكتفاء بنموذج واحد، ولا سيما حين يتعلم الطلاب فرادى، كما تدعو إلى بناء سياقات مشاهدة مشتركة تجمع المتعلمين في أزواج أو مجموعات صغيرة بما يعزز تجربة التعلم ونتائجه، وتفيد النتائج أيضًا مطوري منصات التعلم المرئي في الانتباه إلى أبعاد الحضور الاجتماعي والتفاعل شبه الاجتماعي بوصفها مكونات مؤثرة في جودة التعلم لا مجرد عناصر ترفيهية، وتفتح الباب لدراسات لاحقة تفحص هذه الآثار في مهارات حركية أخرى وفئات عمرية وسياقات ثقافية مختلفة
وتمتد تطبيقات هذه النتائج إلى معلمي التربية البدنية ومدربي اللياقة ومنتجي المحتوى الرياضي التعليمي، إذ يمكنهم توظيف عروض متعددة النماذج عند إعداد مقاطع تعليم التمارين والمهارات الحركية الموجهة للمتعلمين الأفراد في المنازل والجامعات، كما تدعم النتائج ترتيب مشاهدات ثنائية أو جماعية داخل القاعات الدراسية والنوادي حين تسمح الظروف، بما يجمع بين مزايا النموذج المتعدد وصحبة الأقران الحقيقية، وتدعو الدراسة ضمنيًا منصات التعلم إلى تصميم واجهات تشجع المشاهدة المشتركة والتفاعل حول المقاطع، وتستدعي بحوثًا لاحقة تفحص ما إذا كانت آثار تعدد النماذج تنسحب على مهارات حركية أشد تعقيدًا وعلى مستويات إتقان مقاسة أدائيًا لا إدراكيًا فحسب
وخلاصة القول إن عدد النماذج في المقطع التعليمي ليس تفصيلًا شكليًا بل عامل مؤثر في تجربة المتعلم المنفرد، فتعدد النماذج يرفع الحضور الاجتماعي والدافعية والانتباه والرضا، وهي خلاصة ترشد مصممي التعلم المرئي إلى قرارات تصميمية أوعى عند إنتاج مقاطع تعليم المهارات الحركية








