يعد ابتكار نموذج الأعمال ذي المنفعة المشتركة استراتيجية أعمال واعدة لخلق القيمة لأصحاب مصلحة متعددين وتحقيق التنمية المستدامة للأعمال، إذ يجمع بين الربحية التجارية والمنافع الاجتماعية والبيئية في نموذج واحد متكامل، وللمسؤولية الاجتماعية للشركات تداعيات مهمة على هذا الابتكار ولا سيما في أوقات الأزمات، غير أن كيفية تأثير تشكيلات المسؤولية الاجتماعية المختلفة في ابتكار نموذج الأعمال ذي المنفعة المشتركة ما تزال غير واضحة المعالم، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتبين كيف تتشكل أنواع المسؤولية الاجتماعية في توليفات متمايزة، وكيف تؤثر هذه التوليفات في الابتكار المستهدف وفي النتائج النهائية المتحققة، مستخدمة مقاربة تجمع بين الترميز المؤسس على البيانات في حالات متعددة وبين التحليل المقارن النوعي بالمجموعات الضبابية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توضيح كيفية تشكل أربعة أنواع من المسؤولية الاجتماعية للشركات وهي المسؤولية التجارية المحضة، والمسؤولية المنضبطة، والمسؤولية المتقدمة، والمسؤولية المحضة، في توليفات مختلفة، وكيف تؤثر هذه التوليفات في ابتكار نموذج الأعمال ذي المنفعة المشتركة وتقود إلى آثار نهائية متباينة، واعتمدت الدراسة مقاربة ترميز مؤسسة على البيانات مطبقة على حالات متعددة لاستكشاف الآليات والتوليفات، ثم وظفت التحليل المقارن النوعي بالمجموعات الضبابية لاختبار الطرائق المتعددة التي تقود إلى النتيجة ذاتها، وهو أسلوب يناسب الظواهر التوليفية التي لا تعمل فيها العوامل منعزلة بل في حزم متفاعلة، وربطت الدراسة بين توليفات المسؤولية وحجم المنشأة والبيئة الاجتماعية وأهداف المنشأة الاقتصادية
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أنه مع نمو حجم المنشآت وتحسن البيئة الاجتماعية تتحول المنشآت تدريجيًا من التركيز على المسؤولية التجارية المحضة إلى مستويات أعلى من المسؤولية الاجتماعية، حتى تضع في النهاية تأكيدًا أكبر على المسؤولية المتقدمة والمحضة، وبينت أن المنشآت ذات الأهداف الاقتصادية القوية ينبغي أن تدفع ابتكار نموذج الأعمال ذي المنفعة المشتركة عبر مسؤولية منضبطة عالية ومسؤولية متقدمة، وأن المنشآت ذات الأهداف الاقتصادية العامة ينبغي أن تعزز الابتكار عبر مسؤولية متقدمة عالية، أما المنشآت ذات التوقعات الاقتصادية المرتفعة من نموذج المنفعة المشتركة فعليها أن تراعي المسؤولية التجارية العالية والمسؤولية المنضبطة معًا، وتميل المنشآت ذات المسؤولية المتقدمة العالية وابتكار المنفعة المشتركة إلى توليد منافع اجتماعية عالية
ويوضح التحليل المقارن النوعي بالمجموعات الضبابية أن الطريق إلى ابتكار نموذج الأعمال ذي المنفعة المشتركة ليس واحدًا بل متعدد، فتوليفة المسؤولية المنضبطة العالية مع المتقدمة تصلح للمنشآت طموحة الهدف الاقتصادي، بينما يكفي مسار المسؤولية المتقدمة العالية وحدها للمنشآت معتدلة الهدف، وتحتاج المنشآت مرتفعة التوقعات إلى مزيج تجاري ومنضبط معًا، وهذا التعدد في الطرائق نتيجة جوهرية في ذاته، إذ يحرر الإدارة من وهم الوصفة الواحدة، ويبين أن غياب نوع من المسؤولية قد يعوضه حضور نوع آخر، بينما تفشل توليفات أخرى رغم تشابه عناصرها ظاهريًا مع توليفات ناجحة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
قدمت الدراسة توصيات للمنشآت حول كيفية الاضطلاع بالمسؤولية الاجتماعية بصورة علمية استنادًا إلى ما تملكه من موارد واحتياجات تطورها المرحلية، سعيًا إلى تحقيق أهداف المنفعة المشتركة، فليس على المنشأة الناشئة محدودة الموارد أن تحاكي منشأة كبرى في توليفتها، بل أن تختار المزيج المناسب لمرحلتها وهدفها، وتفيد هذه الرؤية صانعي السياسات في تصميم حوافز مسؤولية اجتماعية متدرجة تراعي أحجام المنشآت وبيئاتها، كما تثري أدبيات المسؤولية الاجتماعية بمنظور توليفي يتجاوز سؤال وجود المسؤولية إلى سؤال تشكيلها، وتفتح الباب لدراسات تختبر هذه التوليفات في قطاعات ودول مختلفة وفي أزمنة الأزمات والاستقرار على السواء، ولأزمنة متعاقبة من دورة حياة المنشأة
وعلى صعيد السياسات العامة تدعم النتائج فكرة التدرج في متطلبات المسؤولية الاجتماعية والإفصاح عنها بحسب حجم المنشأة وقطاعها، وتشجع على حوافز تيسر الانتقال من المسؤولية التجارية المحضة نحو المستويات المنضبطة والمتقدمة بدل فرض قفزات تعجز عنها المنشآت الصغيرة، وللباحثين يفتح المنظور التوليفي أسئلة خصبة حول دينامية التوليفات أثناء الأزمات، وحول اختلافها بين الثقافات المؤسسية والقطاعات الاقتصادية، وحول إمكان بناء مؤشرات قياس كمية لكل نوع من الأنواع الأربعة تتيح اختبار النتائج على عينات واسعة من المنشآت
وخلاصة القول إن أثر المسؤولية الاجتماعية في ابتكار نماذج الأعمال ذات المنفعة المشتركة لا يصنعه نوع واحد منها، بل توليفة مضبوطة على إيقاع حجم المنشأة وهدفها وبيئتها، وإن ضبط هذه التوليفة هو مهارة الإدارة الاستراتيجية المقبلة








