حظي مفهوم الحوكمة الرشيدة الذي دخل حيز التطبيق في ثمانينات القرن الماضي وانتشر عالميًا بسرعة باهتمام واسع في إدارة الشأن العام، وبدأت مناقشته في شمال قبرص في العقد الأول من الألفية، غير أن تطبيقه في الحكومات المحلية ما يزال بحاجة إلى فحص ميداني يبين كيف يدركه مقدمو الخدمات المحلية أنفسهم، وما العوامل المؤثرة في هذا الإدراك، فالبلديات هي الحلقة الأقرب إلى المواطن وخدماته اليومية، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتحليل تنفيذ مبادئ الحوكمة الرشيدة في بلديات شمال قبرص من وجهة نظر موظفيها، ولفحص العوامل المؤثرة في إدراكهم لها، بما يقدم دليلًا ميدانيًا يساعد الحكومات المحلية على تشخيص أوضاعها الحوكمية وسد الفجوات التي تكشفها مقارنة البلديات بعضها ببعض
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل تطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة والعوامل المؤثرة في إدراكها، وجمعت البيانات أساسًا من موظفي بلديات شمال قبرص الست، وهم مقدمو الخدمات المحلية والأقرب إلى ممارستها اليومية، وحللت الدراسة الحوكمة الرشيدة كما يدركها الموظفون والعوامل المؤثرة في هذا الإدراك باستخدام نمذجة المعادلات البنائية، التي تتيح اختبار العلاقات بين المتغيرات الكامنة والمقاسة في نموذج واحد، ومقارنة مستويات الإدراك بين البلديات الست، وربط الإدراك بخصائص الموظفين وفي مقدمتها المستوى التعليمي ومستوى الدخل، وبذلك تجاوزت الدراسة الوصف العام للحوكمة إلى تفسير تفاوت إدراكها داخل الجهاز البلدي نفسه وعبر وحداته المختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وجود فروق في إدراك الحوكمة الرشيدة بين البلديات، فلا تتساوى البلديات الست في مستوى ما يلمسه موظفوها من تطبيق لمبادئ الحوكمة، وبين نموذج المعادلات البنائية أن المستوى التعليمي ومستوى دخل الموظفين يؤثران في الحوكمة الرشيدة المدركة، وهو ما يدل على أن الوضع المالي للبلديات ينعكس في مؤشرات الحوكمة الرشيدة لديها، إذ ترتبط قدرة الموظفين المعرفية والمهنية وظروفهم المعيشية بما يدركونه من شفافية ومساءلة وكفاءة في مؤسساتهم، ومن ثم فإن ضعف الإمكانات المالية للبلدية لا يحد من خدماتها فحسب، بل يضعف مناخ الحوكمة ذاته كما يعيشه العاملون فيها يوميًا ويتعاملون مع قواعده وإجراءاته
وتفصيل الفروق بين البلديات يحمل معنى مؤسسيًا مهمًا، فالبلديات الست تعمل تحت الإطار القانوني ذاته ومع ذلك يتفاوت ما يدركه موظفوها من الحوكمة، وهو ما يوجه الأنظار إلى عوامل محلية كأسلوب القيادة البلدية وموارد كل بلدية وثقافتها التنظيمية، أما أثر المستوى التعليمي فيشير إلى أن الموظف الأعلى تعليمًا أكثر قدرة على تمييز ممارسات الحوكمة وتقويمها وربما أكثر مطالبة بها، وأثر مستوى الدخل يربط الإدراك بالظروف المعيشية للموظف وبالقدرة المالية لبلديته معًا، فتتقاطع في تشكيل صورة الحوكمة المدركة عوامل فردية ومؤسسية في نموذج بنائي واحد متكامل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل الدلالة العملية الأبرز لهذه النتائج في أن على الحكومات المحلية أن تحل مشكلاتها المالية بالتوازي مع تطبيق ممارسات الحوكمة الرشيدة، فالإصلاح الحوكمي لا ينفصل عن التمكين المالي والإداري للبلديات، كما تفيد النتائج برامج التطوير البلدي في الاستثمار في تعليم الموظفين وتدريبهم بوصفه مدخلًا لتحسين إدراك الحوكمة وممارستها، وتقدم الدراسة إطارًا قابلًا للنقل إلى سياقات محلية أخرى لمقارنة البلديات وتشخيص فجواتها، وتفتح المجال لدراسات تجمع بين إدراك الموظفين وإدراك المواطنين متلقي الخدمة، وبين المؤشرات الموضوعية للأداء البلدي، بما يبني صورة أشمل عن واقع الحوكمة المحلية ومتطلبات النهوض بها في البيئات محدودة الموارد
وتتسع فائدة الدراسة لتشمل سياقات الحكومات المحلية في بيئات محدودة الموارد عمومًا، إذ تقدم دليلًا على أن خطط تحسين الحوكمة التي تتجاهل القدرة المالية للوحدات المحلية تبقى حبرًا على ورق، وأن بناء قدرات الموظفين تعليمًا وتدريبًا استثمار حوكمي لا ترف إداري، كما تدعو النتائج إلى مؤشرات حوكمة محلية مركبة تجمع بين بيانات موضوعية كالموازنات المنفذة ومعدلات إنجاز الخدمات وبين إدراك الموظفين والمواطنين، وتبقى حاجة قائمة لدراسات تتبع أثر إصلاحات مالية فعلية في إدراك الحوكمة عبر الزمن بدل الاكتفاء بالمقارنات المقطعية بين البلديات
وخلاصة القول إن الحوكمة الرشيدة في البلديات تبنى بموظفين متعلمين وبلديات قادرة ماليًا بقدر ما تبنى بالقواعد والمبادئ، وإن إصلاح الحوكمة المحلية يبدأ من معالجة الاختلالات المالية ورفع كفاءة الإنسان الذي يمارسها








