فرضت جائحة كورونا قيودًا مشددة على نقل المنتجات الغذائية في إندونيسيا، شأنها في ذلك شأن كثير من دول العالم، إذ عطلت إجراءات احتواء الجائحة حركة الشحن والتوزيع بين المناطق وأثرت في سلاسل إمداد الغذاء من المنتجين إلى المستهلكين، ولم تكن هذه القيود حدثًا لوجستيًا عابرًا بل اختبارًا قاسيًا لقدرة منظومة الغذاء الوطنية على الصمود، فقد رافقتها موجات من الشراء بدافع الذعر وارتفاعات سريعة في الأسعار وتفاوتات حادة بين الأقاليم في توافر السلع الأساسية وأسعارها، وفي هذا السياق تتناول الدراسة موضوع هذا المقال أثر تلك القيود في هوامش التسويق للسلع الغذائية الأساسية على مستوى الأقاليم الإندونيسية، وهامش التسويق هو الفارق الذي يتكون عبر حلقات التجارة والنقل بين سعر المنتج وسعر المستهلك، ويعكس كفاءة سلسلة الإمداد وتكلفتها وقدرتها على امتصاص الصدمات دون تحميل المستهلك أعباء إضافية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بحث مدى تأثير القيود التي فرضت على نقل المنتجات الغذائية خلال الجائحة في التغيرات التي طرأت على هوامش التسويق على مستوى الأقاليم في إندونيسيا، واعتمدت الدراسة منهجًا مقارنًا يقوم على فحص البيانات الإحصائية الخاصة بهوامش التجارة والشحن في فترتين متقابلتين، الأولى قبل الجائحة وتمثلها بيانات عام ألفين وتسعة عشر، والثانية بعد انتشار الجائحة وتمثلها بيانات عام ألفين وعشرين، وشمل الفحص عددًا من أسواق السلع الغذائية الأساسية التي تشكل سلة الغذاء اليومي للسكان، وهي الأرز والبصل الأحمر الصغير والفلفل الأحمر الحار ولحم البقر ولحوم الدواجن وبيضها والسكر وزيت الطهي، ويتيح هذا التصميم المقارن رصد التغير في هوامش التسويق قبل الصدمة وبعدها عبر سلع تختلف في قابليتها للتخزين والتلف وفي طبيعة سلاسل إمدادها، بما يكشف ما إذا كانت استجابة الأسواق موحدة أم متباينة بحسب نوع السلعة وخصائصها وإقليم تداولها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الأدلة أن الجائحة أدت في بدايتها إلى ارتفاع سريع في الأسعار المحلية الإندونيسية نتيجة الشراء بدافع الذعر الذي أقبل عليه المستهلكون مع انتشار الأخبار عن القيود المقبلة، غير أن الصورة تغيرت بعد فرض قيود النقل إذ ظهرت تباينات واسعة بين السلع والمناطق، فقد شهدت بعض الخيارات الغذائية القابلة للتخزين والدوام زيادة في هوامش التسويق، بينما اتجهت هوامش السلع غير القابلة للدوام إلى الانخفاض في بعض المناطق، واضطر التجار في عدد من الأقاليم إلى التخلص من منتجات طازجة مثل الفلفل الأحمر الحار والبصل الأحمر الصغير ورميها بعد تراجع القوة الشرائية للمستهلكين وتعذر تصريفها في ظل القيود، وبذلك لم تكن استجابة هوامش التسويق للقيود متجانسة، إذ تأثرت بطبيعة السلعة من حيث قابليتها للتلف والتخزين وبأحوال الطلب المحلي في كل إقليم، وهو ما يعني أن سلسلة الإمداد الغذائي امتصت الصدمة بطرق مختلفة تراوحت بين تمرير التكاليف الإضافية إلى الأسعار وبين تحمل خسائر مباشرة في الحلقات الوسيطة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى رسالة مباشرة موجهة إلى صناع السياسات مفادها أن أي قيود مستقبلية قد تفرض على حركة النقل والإمداد ينبغي أن تراعي هذا الاختلاف المرجح في الاستجابة بين أنواع السلع الغذائية، فالسلع القابلة للتخزين قد تحتاج إلى ضبط للهوامش ومراقبة للأسعار حتى لا تتحول الزيادة إلى عبء على المستهلك، بينما تحتاج السلع الطازجة سريعة التلف إلى دعم لوجستي وتسويقي عاجل يحول دون هدرها وخسارة منتجيها ووسطائها، ويعني ذلك معايرة الدعم الحكومي على امتداد سلسلة الإمداد بحسب موقع كل حلقة ونوع كل سلعة، بما يقلل الاضطراب الاقتصادي إلى أدنى حد ممكن ويحفظ توافر الغذاء واستقرار أسعاره، وتقدم الدراسة كذلك إسهامًا معرفيًا في أدبيات اقتصاديات الغذاء وإدارة سلاسل الإمداد بتوثيقها سلوك هوامش التسويق الإقليمية خلال صدمة وبائية كبرى، بما يساعد الباحثين والمخططين على بناء سيناريوهات استعداد أدق لأزمات مستقبلية مشابهة في دول تعتمد على شبكات توزيع واسعة بين الجزر والأقاليم
وخلاصة القول إن الدراسة تبين أن قيود النقل خلال الجائحة لم تؤثر في سلاسل إمداد الغذاء الأساسية في إندونيسيا تأثيرًا واحدًا، بل أنتجت استجابات متباينة في هوامش التسويق بحسب دوام السلعة وقابليتها للتلف وأحوال الطلب الإقليمي، وأن مراعاة هذا التباين عند تصميم القيود والدعم شرط لتقليل الاضطراب الاقتصادي وحماية الأمن الغذائي في الأزمات
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
لطلب بيانات المصدر الأصلي باللغة الإنجليزية، تابع عبر حساب الباحث.








