أصبح التعلم الإلكتروني في سياق العصر الرقمي مكونًا مبتكرًا لا غنى عنه في القطاع التعليمي، فمع التقدم المستمر في التقنية وانتشار الإنترنت على نطاق واسع برهن التعلم الإلكتروني على دوره الرئيس في الحفاظ على استمرارية التعليم ودعم التدريس عن بُعد، غير أنه رغم تطبيقاته الواسعة ومزاياه الكبيرة لا تكون رغبة طلاب الجامعات في الاستمرار في استخدام منصات التعلم الإلكتروني مرتفعة دائمًا، وهو ما يمثل تحديًا للتربويين ومطوري التقنية على حد سواء، ومن هنا تناولت هذه الدراسة العوامل المؤثرة في نية الاستمرار في التعلم الإلكتروني لدى طلاب الجامعات، مركزة على الدعم التعليمي المدرك والدعم الوجداني المدرك، وفي إطار نموذج تأكيد التوقعات الذي يفسر استمرارية استخدام النظم بسلسلة من الإدراكات تشمل الفائدة المدركة وتأكيد التوقعات والرضا عن التجربة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تأثير الدعم التعليمي المدرك والدعم الوجداني المدرك في نية الاستمرار في التعلم الإلكتروني لدى طلاب الجامعات استنادًا إلى نموذج تأكيد التوقعات، وأجرى الباحثون مسحًا باستخدام استبانة منظمة وزعت عشوائيًا على 379 طالبًا جامعيًا من ثلاث جامعات في مقاطعة خنان، لقياس استجاباتهم المبلغ عنها ذاتيًا حول ستة مكونات هي الدعم التعليمي المدرك، والدعم الوجداني المدرك، والفائدة المدركة، والتأكيد، والرضا، ونية الاستمرار، واستخدمت الدراسة أسلوبًا ثنائي المراحل يجمع بين نمذجة المعادلات البنائية والشبكات العصبية الاصطناعية لتوضيح العلاقات غير التعويضية وغير الخطية بين العوامل المنبئة ونية الاستمرار في التعلم الإلكتروني، وهو ما أضفى عمقًا ودقة على معالجة البيانات ووسع النطاق المنهجي لبحوث تقنية التعليم
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تأكيد الفرضيات كلها باستثناء الأثرين المباشرين للدعم التعليمي المدرك والدعم الوجداني المدرك في الفائدة المدركة إذ لم يكونا دالين إحصائيًا، ووفقًا للأهمية المعيارية المستخرجة من الشبكة العصبية متعددة الطبقات تبين أن الرضا هو العامل المنبئ الأكثر أهمية بنسبة 100 في المئة، يليه التأكيد بنسبة 29.8 في المئة، ثم الفائدة المدركة بنسبة 28.2 في المئة، ثم الدعم التعليمي المدرك بنسبة 22.7 في المئة، ثم الدعم الوجداني المدرك بنسبة 21.8 في المئة، وفسرت المكونات مجتمعة 62 في المئة من التباين الكلي في نية الاستمرار في التعلم الإلكتروني لدى طلاب الجامعات، بما يعني أن شعور الطالب بالرضا عن تجربة التعلم الإلكتروني هو المحرك الأقوى لقراره مواصلة استخدام منصاتها
وتحمل عدم دلالة الأثرين المباشرين للدعم التعليمي والوجداني في الفائدة المدركة دلالة تفسيرية مهمة، فالدعم لا يقنع الطالب بفائدة المنصة مباشرة، بل يعمل عبر تراكم تأكيد التوقعات وبلوغ الرضا، أي أن الطالب قد يتلقى دعمًا وفيرًا لكنه لا يستمر ما لم تتحول تجربته الكلية إلى رضا مستقر، ويعزز الأسلوب ثنائي المراحل هذه القراءة، إذ أكدت نمذجة المعادلات البنائية مسارات العلاقات، بينما رتبت الشبكات العصبية الاصطناعية المنبئات بحسب أهميتها النسبية كاشفة العلاقات غير الخطية التي قد تخفيها النماذج الخطية وحدها، فتحقق للدراسة تكامل بين التفسير السببي والتنبؤ الدقيق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجه دلالات الدراسة إلى أن استدامة التعلم الإلكتروني لا تتحقق بجودة المحتوى والتقنية وحدهما، بل بتجربة تعليمية مرضية يشعر فيها الطالب بأن توقعاته قد تأكدت وأن الدعم التعليمي والوجداني محيط به، ومن ثم ينبغي لمصممي المنصات والقائمين على التدريس الجامعي أن يولوا رضا الطلاب أولوية قصوى، وأن يعززوا قنوات الدعم الأكاديمي والوجداني وإن كان أثرها في الاستمرارية يمر عبر وسائط أخرى، كما يقدم الأسلوب التحليلي ثنائي المراحل المعتمد في الدراسة اتجاهًا لدراسات معمقة لاحقة في بيئات وسياقات ثقافية متنوعة، إذ يجمع بين اختبار العلاقات السببية وترتيب أهمية المنبئات ترتيبًا دقيقًا يفيد صانع القرار التعليمي في توجيه استثماراته التقنية والبشرية
وفي التطبيق الجامعي تترجم النتائج إلى أولويات واضحة، فلتصميم تجربة تعلم مرضية ينبغي ضبط جودة المحتوى وسلاسة المنصة وسرعة الاستجابة للدعم، ولرفع التأكيد ينبغي مطابقة وعود المنصة والتعريف بها مع ما يجده الطالب فعليًا عند الاستخدام، وللحفاظ على الدعم بنوعيه ينبغي حضور المعلم رقميًا بإرشاد أكاديمي ورسائل تشجيع وجداني منتظمة، كما تنبه الدراسة مطوري التقنية التعليمية إلى أن مقاييس الرضا الدورية أرخص وسيلة للإنذار المبكر عن تسرب الطلاب من المنصات، وأن الاستثمار في تحليل بيانات الاستخدام يعود باستمرارية أعلى للتعلم الإلكتروني واستدامة أوسع له
وخلاصة القول إن نية الاستمرار في التعلم الإلكتروني تصنعها أولًا تجربة مرضية تؤكد توقعات الطالب، ويدعمها إحساسه بالفائدة وبالرعاية التعليمية والوجدانية، وإن الاستثمار في رضا المتعلم هو الاستثمار الأجدى في مستقبل التعليم الرقمي الجامعي
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








