في نظام التحكيم الحالي لرياضة التزلج الفني على الجليد تتحدد درجة القفزة بمجموع قيمتها الأساسية التي تمثل درجة صعوبتها، ودرجة جودة التنفيذ التي تعكس جودة الأداء، غير أن المعايير المستخدمة في تقييم جودة التنفيذ تتيح مجالًا للحكم الذاتي لدى الحكام، ونتيجة لذلك قد يتدرب المتزلجون دون إرشادات ملموسة تعينهم على تعظيم درجاتهم، فلو أمكن التنبؤ بجودة التنفيذ بصورة متينة استنادًا إلى الخصائص الحركية للقفزة لأسهم ذلك في تحسين أداء المتزلجين وتوجيه تدريبهم، وتنطلق هذه الدراسة من هذه الإمكانية لتفحص قفزات أكسل المزدوجة التي أدتها متزلجات في بطولتي العالم، وتسأل عما إذا كانت درجات جودة التنفيذ التي منحها الحكام قابلة للتنبؤ المتين من الخصائص الحركية عبر بطولات مختلفة، وعن الخصائص التي تسهم فعلًا في هذا التنبؤ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كان يمكن التنبؤ بصورة متينة بدرجة جودة التنفيذ التي يسندها الحكام إلى قفزات أكسل المزدوجة المؤداة من متزلجات في بطولتي العالم لعامي ألفين وتسعة عشر وألفين وثلاثة وعشرين، وذلك استنادًا إلى الخصائص الحركية للقفزة، وإلى تحديد الخصائص التي أسهمت في هذه التنبؤات، واعتمدت الدراسة على بيانات أداء حقيقية من بطولتين عالميتين مختلفتين، بما يجعل اختبار التنبؤ عابرًا للمسابقات لا محصورًا في مسابقة واحدة قد تنفرد بخصائص حكامها وظروفها، واستخرجت مجموعة من الخصائص الحركية القابلة للقياس الموضوعي من القفزات، منها الارتفاع العمودي والمسافة الأفقية ومسافة الهبوط، إضافة إلى خصائص مشتقة قائمة على النسب سبق أن أظهرت دراسات سابقة صلتها بدرجات الجودة، ثم وظفت أساليب التعلم الآلي لبناء نموذج تنبؤي وقياس دقته ومتانته عبر البطولتين معًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن ثلاث خصائص حركية بسيطة هي الارتفاع العمودي والمسافة الأفقية ومسافة الهبوط فسرت نحو ثلاثة وأربعين في المئة من التباين في درجات جودة التنفيذ، وذلك حتى حين اشتملت مجموعة البيانات على أداء من مسابقات مختلفة، وبلغ متوسط الخطأ المطلق للتنبؤ قيمة منخفضة نسبيًا تعادل اثنين وخمسين وثمانية وعشرين جزءًا من الألف فوق الصفر، غير أن التحليل كشف مفارقة لافتة، فمع أن معايير تقييم جودة التنفيذ تذكر صراحة الارتفاع والطول الجيدين جدًا، لم يكن للارتفاع العمودي أثر يذكر في الممارسة الفعلية، بل كانت القفزات ذات المسافة الأفقية ومسافة الهبوط الأكبر هي التي نالت درجات جودة أعلى، أما الخصائص المشتقة القائمة على النسب التي أظهرت دراسات سابقة صلتها بالدرجات فلم ترتبط ارتباطًا دالًا بدرجة الجودة في هذه الدراسة، بما يوحي بأن تأثيرها خاص بمسابقات بعينها لا ثابت عبر المسابقات المختلفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل دلالة هذه الدراسة في أنها تسهم في فهم تقييم الأداء في الرياضات المحكومة بالتحكيم من منظور حركي، حيث يكون التحكيم ذاتيًا بطبيعته وقائمًا على معايير معقدة يصعب تفكيكها، فحين يتبين أن الحكام يكافئون عمليًا المسافة الأفقية ومسافة الهبوط أكثر مما يكافئون الارتفاع العمودي الذي تنص عليه المعايير المعلنة، يصبح بوسع المدربين توجيه تدريب المتزلجين نحو ما يرفع الدرجات فعلًا لا نحو ما يفترض أنه يرفعها، وعلى الصعيد التطبيقي يمكن أن تتحول الخصائص الحركية الثلاث البسيطة إلى مؤشرات متابعة في التدريب اليومي، تقاس بالأدوات المتاحة وتقارن بمعايير الأداء العالي، كما تفيد النتائج جهات التحكيم ذاتها في مراجعة اتساق تطبيق معاييرها بين البطولات، وتفيد الباحثين في علوم الرياضة الذين يدرسون العلاقة بين القياس الموضوعي والحكم البشري في الرياضات الجمالية عمومًا، مع تنبيه مهم إلى أن أكثر من نصف تباين الدرجات ما زال راجعًا إلى عوامل أخرى لم تلتقطها الخصائص الحركية وحدها
وخلاصة القول إن درجة جودة تنفيذ قفزة أكسل المزدوجة قابلة للتنبؤ المتين عبر البطولات من ثلاث خصائص حركية بسيطة هي الارتفاع العمودي والمسافة الأفقية ومسافة الهبوط، وإن المسافتين الأفقية والهبوط هما الأقوى أثرًا في درجات الحكام الفعلية خلافًا للانطباع الذي توحي به المعايير المعلنة عن الارتفاع، وبذلك تقدم الدراسة للمدربين والمتزلجين إرشادًا ملموسًا طالما افتقدوه في رياضة يحكمها التقدير الذاتي، وتفتح في الوقت نفسه نقاشًا أوسع حول العدالة والاتساق في تحكيم الرياضات الجمالية وحدود ما يستطيع القياس الموضوعي تفسيره من أحكام البشر








