عُنيت هذه المراجعة الأدبية ببحث إمكانات القراءة المشتركة في دعم النماء المعرفي للأطفال، والقراءة المشتركة أسلوب تربوي معروف بدوره في تعزيز تطور اللغة ومحو الأمية الناشئة في مرحلة الطفولة المبكرة، غير أن أدلة متنامية تشير إلى أن تأثيرها يمتد إلى مجالات نمائية إضافية تتجاوز اللغة إلى القدرات المعرفية العليا، وقد جاءت هذه المراجعة لتفحص الأدبيات التجريبية والنظرية المتاحة بهدف الكشف عن قدرة القراءة المشتركة على العمل بوصفها مقاربة تربوية شاملة داعمة للنماء المعرفي للأطفال، وذلك بدمج ما توصلت إليه الدراسات حول وساطة البالغ، والتفاعل الحواري، والقراءة المتكررة، والحديث عن الحالات الذهنية، والتكيفات التعليمية، والقراءة المشتركة لدى فئات متنوعة من المتعلمين في البيئات المنزلية وما قبل المدرسية والتعليمية الشاملة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت المراجعة إلى تركيب نتائج الأدبيات حول القراءة المشتركة وعلاقتها بالنماء المعرفي للأطفال، واعتمدت منهج مراجعة الأدبيات التجريبية والنظرية وتحليلها موضوعيًا، فرصدت العوامل التي تجعل القراءة المشتركة فعالة، والفئات التي درست لديها، والبيئات التي طبقت فيها من المنزل إلى رياض الأطفال إلى الأوساط التعليمية الشاملة، واهتمت بوجه خاص بدراسات الأطفال ذوي الإعاقات النمائية، والأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، والأطفال الصم، والأطفال الصم المكفوفين، لبيان ما إذا كانت القراءة المشتركة المكيفة تعزز مشاركتهم وتقدم نتائجهم اللغوية والتواصلية والنمائية الأوسع، كما سعت المراجعة إلى تشخيص الفجوات المفاهيمية والمنهجية والفجوات المتصلة بالفئات المدروسة، وفحص مدى تناول الأدبيات للعمليات المعرفية العليا كالوظائف التنفيذية وما وراء المعرفة والاستدلال الاستنتاجي والمرونة المعرفية والتفكير الناقد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الأدبيات المراجعة أن فعالية القراءة المشتركة تتوقف أساسًا على جودة التفاعل بين البالغ والطفل، وأن وساطة البالغ، والسقالات التعليمية، والحوار التشاركي، والمشاركة النشطة للطفل، أدوات رئيسة لدعم التعلم عبر البيئات المنزلية وما قبل المدرسية والشاملة، كما دلت دراسات الأطفال ذوي الإعاقات النمائية واضطراب طيف التوحد والصمم والصمم وكف البصر على أن القراءة المشتركة المكيفة تعزز مشاركة هؤلاء الأطفال وتقدم نتائجهم في اللغة والتواصل ومجالات نمائية أوسع، وفي المقابل وجدت المراجعة فجوات مفاهيمية ومنهجية وفجوات متصلة بالفئات المدروسة، إذ قلما فحصت الدراسات إسهام القراءة المشتركة في العمليات المعرفية العليا كالوظائف التنفيذية وما وراء المعرفة والاستدلال الاستنتاجي والمرونة المعرفية والتفكير الناقد، كما ظل البحث في الفئات المتنوعة ثقافيًا ولغويًا، ولا سيما المتعلمون الناطقون بالعربية، محدودًا بصورة ملحوظة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقترح المراجعة إعادة تصور القراءة المشتركة بوصفها تربية معرفية شاملة تتضافر فيها وساطة البالغ والتفاعل الحواري والسقالات التعليمية وبناء المعنى التشاركي لتعزيز الانخراط المعرفي للأطفال وتفكيرهم العالي الرتبة، وهو تصور يحمل دلالات عملية للمعلمين والوالدين ومصممي المناهج، إذ يوجههم إلى الاهتمام بجودة الحوار أثناء القراءة لا بمجرد إتمامها، وإلى تكييف الممارسة مع احتياجات الأطفال ذوي الإعاقات والخلفيات اللغوية المتنوعة، كما يوجه الباحثين إلى سد الفجوات المرصودة بدراسات تستهدف العمليات المعرفية العليا وتشمل فئات لم تحظ بالتغطية الكافية، وفي مقدمتها المتعلمون الناطقون بالعربية، بما يوسع قاعدة الأدلة حول القراءة المشتركة ويرفع قدرتها على خدمة تعلم الأطفال ونمائهم في سياقات تربوية وأسرية متعددة
وتزداد أهمية هذه النتائج في ضوء تنامي الاهتمام بالتعليم الشامل الذي يستوعب الأطفال جميعًا على اختلاف قدراتهم وخلفياتهم، فالقراءة المشتركة ممارسة منخفضة الكلفة واسعة الانتشار في البيوت ورياض الأطفال، فإذا ثبت أنها تدعم النماء المعرفي بأبعاده المتعددة، أمكن توظيفها مدخلًا شاملًا يخاطب الأطفال ذوي الإعاقات والمتعلمين المتنوعين لغويًا في النشاط ذاته دون عزل أو وصم، على أن ذلك رهن بتدريب المعلمين والوالدين على مهارات الوساطة والحوار والسقالات، وعلى توفير كتب مصورة غنية تستثير الحديث عن الحالات الذهنية والمشاعر والأفكار، كما يظل تطوير بحوث التدخل الطولية ضروريًا للتحقق من انتقال آثار القراءة المشتركة إلى الوظائف التنفيذية والتفكير الناقد وغيرهما من العمليات العليا التي لم تحظ بعد بالتغطية البحثية الكافية في الأدبيات القائمة حاليًا
وخلاصة القول أن القراءة المشتركة، حين تمارس بوساطة رشيدة وحوار ثري وسقالات ملائمة، تتجاوز كونها نشاطًا لغويًا إلى تربية معرفية شاملة تدعم نماء الأطفال المعرفي ومشاركتهم، وأن تطوير البحث فيها ليشمل العمليات المعرفية العليا والفئات المتنوعة ثقافيًا ولغويًا كفيل بتعميق هذا الدور التربوي وتوسيع نطاق الاستفادة منه في البيوت والمدارس








