يوظف الفنانون الخرائط المضادة والتصوير المضاد للبيانات في إعادة صياغة روايات الهجرة، وغالبًا ما يتركز اهتمامهم على إعادة تتبع رحلات المهاجرين الذين عبروا الحدود ووصلوا إلى وجهاتهم، غير أن خرائط أولئك الذين لم يصلوا أبدًا لم تحظ بالاهتمام ذاته، رغم أن البحر المتوسط يوصف بأنه مسرح لسياسات الموت، إذ يعد في الوقت نفسه أخطر حدود العالم وأكثر طرق الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي حضورًا في التصوير والتمثيل، وتنطلق هذه الدراسة من هذه الفجوة لتفحص ثلاثة أعمال فنية بصرية تتناول الرسوم البيانية والمعلوماتية المتعلقة بالأشخاص الذين ماتوا أو اختفوا في البحر المتوسط، وتسأل عن الكيفية التي يمكن بها للخرائط أن توثق فقدًا جماعيًا بهذا الحجم دون أن تحوله إلى مجرد أرقام، وعن معنى العدالة والمقاومة حين يخلد الموتى عبر خرائط وفيات البحر المتوسط
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ثلاثة أعمال فنية معاصرة تتناول تصوير بيانات وفيات المهاجرين واختفائهم في البحر المتوسط، وتحليل الكيفية التي يوظف بها كل عمل الخريطة والبيانات لتمثيل الكارثة الجارية للموت في البحر، والوقوف على الدور الذي تؤديه رسم الخرائط وتصوير البيانات في توثيق الفقد الجماعي ومساءلته، واعتمدت الدراسة منهج التحليل النقدي المقارن للأعمال الفنية الثلاثة، وهي عمل تيفاني تشونغ الممتد منذ عام ألفين وخمسة عشر لرسم خرائط طرق الهجرة والوفيات في البحر المتوسط، وعمل ليفي فيسترفيلد الصادر عام ألفين وسبعة عشر بعنوان أولئك الذين لم يعبروا عن وفيات الفترة من ألفين وخمسة إلى ألفين وخمسة عشر، وعمل ماثيو بيرنو الصادر عام ألفين وواحد وعشرين بعنوان الخرائط البحرية للقوارب الغارقة، كما استند التحليل إلى مفهوم الحق في ألا يغرق المرء كما قدمته هيلده فان غيلدر إطارًا نظريًا لاستكشاف صور العدالة والمقاومة في تخليد ذكرى الموتى
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحليل أن كل فنان يتتبع الكارثة الجارية للموت في البحر عبر الخرائط بطريقته الخاصة، مع مساءلة مشتركة لدور رسم الخرائط وتصوير البيانات في توثيق الفقد الجماعي، ففي عمل تيفاني تشونغ ترسم الخرائط يدويًا وتتوزع عليها نقاط ملونة تمثل الأرواح المفقودة دون مفتاح يوضح دلالة الرموز، بحيث يبقى التصوير غامضًا عن قصد ويقاوم الاختزال السريع للوفيات في معلومة واضحة، وفي عمل ليفي فيسترفيلد توضع نقطة حمراء مقابل كل شخص مات أثناء محاولته عبور البحر المتوسط خلال عقد كامل، فيتراكم حضور النقاط حتى يتحول العدد إلى مشهد بصري يصعب تجاوزه، أما ماثيو بيرنو فيعيد توظيف خرائط تاريخية للبحر المتوسط فيدون عليها حطام قوارب المهاجرين الغارقة التي قرأ عنها في الصحف، وغالبًا ما تكون تعليقاته المكتوبة بخط اليد عسيرة القراءة، بما يجعل فعل التوثيق ذاته هشًا وقابلًا للمحو كحال الذاكرة التي يحاول تثبيتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتمثل دلالة هذه الدراسة في أنها تنقل نقاش تصوير البيانات من سؤال الدقة والوضوح إلى سؤال الأخلاق والذاكرة، فالغموض المتعمد وغياب المفتاح وصعوبة قراءة الخط اليدوي ليست عيوبًا تصميمية في هذه الأعمال، بل مواقف فنية ترفض تحويل الموتى إلى بيانات قابلة للاستهلاك السريع، وتدعو المتلقي إلى التمهل أمام الفقد، وعلى الصعيد التطبيقي تفيد الدراسة مصممي التصوير المعلوماتي والصحفيين العاملين في تغطية قضايا الهجرة، إذ تبين أن اختيار طريقة تمثيل الوفيات قرار أخلاقي قبل أن يكون قرارًا جماليًا أو تقنيًا، كما تفيد القائمين على المتاحف والمعارض في تقديم أعمال الذاكرة بصورة تحفظ كرامة الضحايا وتصل الجمهور بأسئلة العدالة والمسؤولية، ومن خلال مفهوم الحق في ألا يغرق المرء تفتح الدراسة أفقًا لبحث العدالة والمقاومة لا من باب السياسات وحدها، بل من باب التخليد والتمثيل الثقافي للذين قضوا في البحر ولم تصل رحلاتهم إلى نهايتها
وخلاصة القول إن الأعمال الفنية الثلاثة التي تفحصها الدراسة تشترك في جعل الخريطة شاهدًا على كارثة الموت في البحر المتوسط ومساءلة لأدوات توثيقها في آن واحد، فبين نقاط تشونغ الملونة بلا مفتاح، ونقاط فيسترفيلد الحمراء المتراكمة، وحطام القوارب المدون بخط اليد على خرائط بيرنو التاريخية، يتشكل خطاب بصري يصر على أن وراء كل نقطة حياة كاملة تستحق الذكر، ويبقى إسهام الدراسة في ربط هذا الخطاب بمفهوم الحق في ألا يغرق المرء، بما يمنح دراسات الإعلام والفن والهجرة إطارًا مشتركًا للتفكير في العدالة حين يكون الضحايا غائبين ولا يملكون تمثيل أنفسهم








