تتناول هذه الدراسة العلاقة بين الضغوط الأكاديمية والاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية لدى طلاب الجامعات، وهي علاقة حظيت بدراسات عديدة فحصت ارتباطها المباشر، غير أن الأدلة التجريبية على هذا الارتباط جاءت غير متسقة بين الدراسات، كما ظلت العوامل التي قد تتوسط هذه العلاقة أو تعدلها قليلة الاستكشاف، وتنبع أهمية الدراسة من انتشار الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية بين الطلاب الجامعيين وما يرتبط به من آثار في تحصيلهم وحياتهم اليومية، ومن الحاجة إلى فهم أعمق للآليات النفسية التي تحول الضغوط الدراسية إلى سلوك استخدام مفرط، ولتحديد الطلاب الأكثر عرضة لهذا التحول دون غيرهم، ومع تحول الهاتف الذكي إلى رفيق دائم للطالب داخل قاعة الدرس وخارجها، صار فهم هذا السلوك ضرورة تربوية ونفسية لا ترفًا بحثيًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أربعة أمور مترابطة، هي الارتباط المباشر بين الضغوط الأكاديمية والاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية، والدور الوسيط لدافعية الهروب في هذا الارتباط، والدور المعدل لمنظور الزمن الحاضر القائم على المتعة في العلاقة بين دافعية الهروب والاستخدام الإشكالي، ودوره المعدل كذلك في الارتباط غير المباشر بين الضغوط الأكاديمية والاستخدام الإشكالي عبر دافعية الهروب، واعتمدت الدراسة على عينة قوامها ستمئة وثمانون طالبًا جامعيًا جندوا من جامعة ماليزيا التكنولوجية، وحللت البيانات في إطار نموذج وساطة معدلة يجمع بين اختبار الوساطة والتعديل في بنية تحليلية واحدة، بما يجيب عن سؤالي كيف يحدث الأثر ولدى من يحدث بقوة أكبر
ثانيًا: أبرز النتائج
توصلت الدراسة إلى نتائج دقيقة، إذ لم يكن الارتباط بين الضغوط الأكاديمية والاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية دالًا إحصائيًا في صورته المباشرة، لكن الارتباط بينهما توسطته دافعية الهروب، بمعنى أن الضغوط تدفع الطالب إلى الرغبة في الهروب من واقعه الدراسي، وهذه الرغبة هي التي تقوده إلى الاستخدام الإشكالي لهاتفه، كما أظهرت النتائج أن منظور الزمن الحاضر القائم على المتعة عدل بصورة إيجابية العلاقة بين دافعية الهروب والاستخدام الإشكالي، وعدل بصورة إيجابية كذلك الارتباط غير المباشر بين الضغوط الأكاديمية والاستخدام الإشكالي عبر دافعية الهروب، فكلما كان الطالب أكثر توجهًا نحو متعة الحاضر اشتد انتقاله من دافع الهروب إلى الاستخدام المفرط
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي هذه النتائج على دلالات نظرية وعملية مهمة، فقد حددت دافعية الهروب ومنظور الزمن الحاضر القائم على المتعة بوصفهما العاملين اللذين يفسران كيف تتسبب الضغوط الأكاديمية في الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية ولدى من يحدث ذلك، وهو ما ينقل فهم الظاهرة من مجرد رصد الارتباط إلى تفسير آليته وشروطه، وعلى الصعيد العملي تقدم الدراسة إرشادات مهمة للتدخل في الاستخدام الإشكالي للهواتف الذكية لدى الطلاب الجامعيين، إذ تشير إلى أن البرامج الفعالة ينبغي أن تستهدف دافعية الهروب ذاتها ببدائل صحية للترويح وإدارة الضغوط، وأن تراعي الفروق الفردية في المنظور الزمني، فتشتد عنايتها بالطلاب الأكثر توجهًا نحو متعة الحاضر والأكثر اندفاعًا نحو الهروب
ويضيف هذا النموذج الوسيط المعدل طبقة تفسيرية مهمة لأدبيات سلوكيات التقنية واستخداماتها، فهو يبين أن المشكلة ليست في الهاتف ذاته ولا في الضغوط وحدها، بل في التفاعل بين ضغط الدراسة ودافع نفسي داخلي ومنظور زمني يوجه السلوك نحو الإشباع الفوري، ومن ثم فإن حملات التوعية العامة التي تخاطب جميع الطلاب برسالة واحدة قد لا تكفي، بل تلزم مقاربات مفرقة تصنف الطلاب بحسب دوافعهم ومنظورهم الزمني، وتقدم لمن يغلب عليهم دافع الهروب بدائل ترويحية حقيقية داخل الحياة الجامعية، من أنشطة رياضية واجتماعية وخدمات إرشاد نفسي يسهل الوصول إليها دون وصمة، وتدعو هذه الصورة المتكاملة إلى بحوث طولية تتبع الطلاب عبر سنوات الدراسة لرصد تطور هذه الآليات واستقرارها عبر المراحل الجامعية المختلفة
وخلاصة القول إن الضغوط الأكاديمية لا تقود الطالب إلى الاستخدام الإشكالي للهاتف الذكي مباشرة، بل عبر بوابة الهروب التي تتسع لدى من يعيشون لحظة الحاضر ومتعتها، وقد رسمت هذه الدراسة على عينة كبيرة من الطلاب الجامعيين خريطة دقيقة لهذه الآلية الوسيطة والمعدلة، فقدمت للجامعات والمختصين أساسًا علميًا لتصميم تدخلات وقائية وعلاجية تستهدف جذور السلوك لا أعراضه، وتساعد الطلاب على مواجهة ضغوطهم بطرائق أكثر صحة وتوازنًا، ويحول دون تحول ضغوط عابرة في مسار الدراسة إلى عادات استخدام ممتدة ترافق الطالب بعد تخرجه في حياته المهنية والاجتماعية








