تتناول هذه الدراسة دور برامج تنمية رأس المال البشري في مساعدة الموظفين على التكيف مع الصراع بين العمل والأسرة والحفاظ على الأداء والرفاه في سياق الأزمة المتعددة الممتدة في لبنان بعد جائحة كورونا، ففي مناخ يتسم بالتراجع الاقتصادي والتضخم وحالة عدم اليقين التنظيمي والاضطراب الاجتماعي تواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة ضغوطًا أكبر لحماية الإنتاجية ورفاه الموظفين في آن واحد، إذ تتسرب ضغوط الأزمة العامة إلى بيئة العمل وإلى الحياة الأسرية معًا فيتضاعف عبء التوفيق بين الدورين لدى الموظف، وتقدم الدراسة برامج تنمية رأس المال البشري بوصفها ممارسات تنموية في إدارة الموارد البشرية قادرة على تخفيف هذا الصراع، وتستكشف في الوقت ذاته الدور الحامي للمرونة النفسية لدى الموظف في ظروف الأزمات، بما يربط بين سياسات المنظمة وموارد الفرد النفسية في نموذج واحد مفسّر للأداء والرفاه في بيئات مضطربة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار نموذج مقترح يربط برامج تنمية رأس المال البشري بالصراع بين العمل والأسرة وبأداء الموظفين ورفاههم، مع فحص الدور المعدل للمرونة النفسية لدى الموظف في العلاقة بين ذلك الصراع والأداء، واعتمدت الدراسة على نمذجة المعادلات البنائية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية لتحليل بيانات جمعت من مئتين وتسعة موظفين يعملون في منشآت صغيرة ومتوسطة لبنانية، وقاست متغيرات النموذج في بيئة أزمة فعلية تتسم بالتراجع الاقتصادي والتضخم وعدم اليقين التنظيمي والاضطراب الاجتماعي، بما أتاح اختبار العلاقات المباشرة بين البرامج التنموية والصراع والأداء والرفاه، واختبار ما إذا كانت المرونة النفسية تخفف الأثر السلبي للصراع في الأداء في ظروف الأزمات الممتدة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن برامج تنمية رأس المال البشري ترتبط ارتباطًا سلبيًا ذا دلالة بالصراع بين العمل والأسرة، أي إن قوة تلك البرامج وحضورها يخففان حدة الصراع الذي يعيشه الموظف بين متطلبات عمله ومتطلبات أسرته، كما أظهرت أن الصراع بين العمل والأسرة يرتبط بدوره ارتباطًا سلبيًا ذا دلالة بأداء الموظفين وبرفاههم، فكلما اشتد الصراع تراجع الأداء وتدهور الرفاه، وأظهرت النتائج كذلك أن المرونة النفسية لدى الموظف تضعف العلاقة السلبية بين الصراع بين العمل والأسرة وأداء الموظف، بما يبرز الدور الحامي للمرونة النفسية في ظروف الأزمات، إذ يصون الموظفون الأكثر مرونة مستوى أدائهم رغم ما يواجهونه من ضغوط التوفيق بين العمل والأسرة في بيئة الأزمة اللبنانية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة في أدبيات إدارة الموارد البشرية وأدبيات الصراع بين العمل والأسرة بتموضعها للممارسات التنموية في إدارة الموارد البشرية وللمرونة النفسية بوصفهما موارد حاسمة في البيئات المعرضة للأزمات، فتنمية رأس المال البشري ليست استثمارًا في المهارات فحسب بل أداة لتخفيف أعباء التوفيق بين العمل والأسرة وحماية الأداء والرفاه معًا، وتفيد النتائج عمليًا المنشآت الصغيرة والمتوسطة اللبنانية في تصميم استراتيجيات موجهة نحو الموظف تعزز القدرة على التكيف والرفاه واستمرارية المنظمة، مثل برامج التطوير المهني والدعم التعليمي وبناء المرونة النفسية وترتيبات عمل تراعي الأعباء الأسرية، وهو درس قابل للامتداد إلى منظمات تعمل في بيئات أزمات مشابهة حيث يصبح الاستثمار في الإنسان خط الدفاع الأول عن استمرارية الأعمال
وتزداد أهمية هذه النتائج في ضوء طبيعة المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تعمل بهوامش موارد ضيقة ولا تملك عادة إدارات موارد بشرية كبيرة، فحين تثبت برامج تنمية رأس المال البشري قدرتها على تخفيف الصراع بين العمل والأسرة، تصبح هذه البرامج استثمارًا مزدوج العائد يجمع بين رفع مهارات الموظفين وصون توازنهم الأسري والنفسي، كما أن إبراز المرونة النفسية موردًا حاميًا للأداء يفتح أمام تلك المنشآت مسارًا عمليًا منخفض الكلفة نسبيًا يتمثل في تدريب الموظفين على التكيف وإدارة الضغوط وبناء شبكات دعم متبادلة داخل فرق العمل، خصوصًا في بيئة لبنانية تتوالى فيها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتتطلب من العاملين قدرة استثنائية على الاستمرار والتوفيق بين متطلبات معيشية وأسرية متصاعدة ومتطلبات وظيفية لا تقل إلحاحًا
وخلاصة القول إن برامج تنمية رأس المال البشري تخفف الصراع بين العمل والأسرة لدى موظفي المنشآت الصغيرة والمتوسطة اللبنانية، وإن هذا الصراع حين يشتد يضعف الأداء والرفاه معًا، بينما تعمل المرونة النفسية درعًا يخفف أثره في الأداء، وهو ما يجعل الاستثمار التنموي في الموظفين وبناء مرونتهم النفسية ركيزتين عمليتين لصون الإنتاجية والرفاه واستمرارية المنظمات في زمن الأزمات الممتدة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








