تحتفظ المستوطنات العامية بنسيج مادي ملموس ومعرفة غير مادية متراكمة عبر الأجيال يمكن أن يدعما معا جهود الحفظ المستجيب للمناخ وإعادة الاستخدام التكيفي والتجديد الحضري، غير أن هذه الأبعاد كثيرا ما تقيم منفصلة في الدراسات والممارسات فتختزل قيمة التراث في عمر المباني أو طرازها دون النظر إلى كيفية تعبير هذه القيمة عن نفسها في تشكل المستوطنة ومواد بنائها وأدائها البيئي ومعرفة مجتمعها واستمرار استخدامها، وتتناول هذه الدراسة هذا النقص عبر تطبيق إطار للحفظ قائم على القيم على مستوطنات تاريخية في سلطنة عمان، مقارنا بينها وبين حي معاصر من أجل فهم ما الذي يجعل العمارة العامية ناجحة بيئيا واجتماعيا وما الذي ينبغي نقله إلى التدخلات المعاصرة دون نسخ حرفي للماضي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص كيفية تعبير الأهمية التراثية عن نفسها من خلال مورفولوجيا المستوطنة وأنظمة المواد والأداء البيئي ومعرفة المجتمع والاستخدام المستمر، وفسرت هذه الأهمية عبر ستة مجالات مترابطة هي قيمة الاستمرارية التاريخية والقيمة المعمارية المكانية والقيمة البيئية والقيمة المادية التقنية والقيمة الاجتماعية الثقافية والقيمة الوظيفية الاقتصادية، واعتمدت الدراسة تصميم دراسة حالة مقارنا بالمنهج المختلط طبق على مستوطنتين تاريخيتين وحي معاصر واحد في عمان، وجمعت البيانات عبر الملاحظة الميدانية والتوثيق الفوتوغرافي وتحليل المورفولوجيا الحضرية والمعمارية والمقابلات شبه المنظمة ومحاكاة أداء المباني، بحيث تتكامل الأدلة المادية المستقاة من النسيج العمراني مع شهادات السكان والمستخدمين حول معاني هذا النسيج ووظائفه، ومع قياسات محاكاة تقارن الطلب على طاقة التبريد ومستويات ضوء النهار والأحوال الحرارية بين المساكن العامية والمساكن المعاصرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المستوطنات التاريخية حققت كثافة مبنية أكبر عبر المباني المتلاصقة والجدران المشتركة والارتدادات المحدودة والمسارات المظللة والوظائف المختلطة والتنظيم المتدرج بين العام والخاص، وربطت أدلة المقابلات هذه الخصائص بالخصوصية وإدارة الموارد المشتركة ومعرفة البناء التقليدي والاستمرارية الاجتماعية وإعادة الاستخدام التكيفي واستمرار الإشغال، وبينت نتائج المحاكاة أن المساكن العامية النموذجية سجلت طلبا أدنى بكثير على طاقة التبريد، بينما حققت الفيلات المعاصرة مستويات أعلى من ضوء النهار وأحوالا حرارية أقرب إلى الحياد في ظل التبريد الميكانيكي، بما يعني أن التفوق البيئي للعمارة العامية يتركز في خفض الحاجة إلى الطاقة قبل أي معالجة تقنية، وأن المزايا المعاصرة في الإضاءة الطبيعية والحياد الحراري تتحقق بكلفة طاقية أعلى تعتمد على الأنظمة الميكانيكية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن التراث العامي لا ينبغي أن يحفظ بوصفه نسيجا ماديا ساكنا ولا أن يعاد إنتاجه حرفيا في البناء الجديد، بل أن تستخرج مبادئه العاملة في الكثافة والتظليل والخلط الوظيفي والتدرج المكاني وتوظف في حلول معاصرة، وأن التدخلات المتصلة بالسياحة والبنية التحتية وإمكانية الوصول والخصوصية وإعادة الاستخدام التجاري واستمرار السكن ينبغي أن يتفاوض عليها بين أصحاب المصلحة لا أن تفرض من جهة واحدة، وتقدم الدراسة بهذا إطارا متكاملا يربط مجالات القيمة الستة بعضها ببعض فيساعد المخططين والمحافظين على اتخاذ قرارات متوازنة تحمي الأهمية التراثية وتبقي المستوطنات حية بسكانها ووظائفها
ويضيف الإطار الذي تقدمه الدراسة بعدا منهجيا مهما لأبحاث التراث العمراني إذ ينتقل بالتقويم من حصر القيم في بعد واحد غالب كالقيمة التاريخية أو الجمالية إلى شبكة مجالات متفاعلة يكشف كل منها وجها من وجوه الأهمية، فالمسكن العامي في هذا الفهم ليس جدرانا من مواد محلية فحسب بل منظومة تجمع بين معرفة بنائية متوارثة وتنظيم اجتماعي للخصوصية والجيرة وأداء بيئي يقلل استهلاك الطاقة وأنشطة اقتصادية تبقي الحي مأهولا ومنتجا، ومن هنا فإن أي مشروع تجديد حضري يستند إلى هذا الإطار سيحتاج إلى مؤشرات تقويم ترصد هذه المجالات معا قبل التدخل وبعده، وإلى مشاركة السكان في ترتيب أولويات القيم لأن تعارض القيم ممكن بين الحفاظ على الطابع التاريخي وتوسيع الطرق أو إدخال الأنشطة التجارية، ولا يحسم مثل هذا التعارض إلا بتفاوض موثق يراعي استمرار السكن بوصفه قيمة قائمة بذاتها لا نتيجة جانبية لمشاريع التجميل أو السياحة
وخلاصة القول إن الدراسة تثبت بالمقارنة الميدانية والمحاكاة أن المستوطنات العامية العمانية تتفوق في الكفاءة الطاقية السلبية والتماسك الاجتماعي بفضل مورفولوجيا مدمجة ومعرفة مجتمعية حية، وتدعو إلى حفظ قائم على القيم يتفاوض فيه على التدخلات ولا يختزل التراث في واجهات محفوظة ولا في نسخ حرفي من الماضي








