في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمالية لعام ألفين وثمانية، وأزمة الديون السيادية واليورو الممتدة بين عامي ألفين وعشرة وألفين وخمسة عشر، وجائحة كورونا بين عامي ألفين وعشرين وألفين وثلاثة وعشرين، نفذ البنك المركزي الأوروبي سياسة نقدية غير تقليدية استهدفت توفير السيولة لأكثر من عقد كامل، عبر منظومة معقدة من الأدوات والعمليات تشكل ما يعرف بالتيسير الكمي، وما تزال نتائج هذه السياسات محل تحليل من زوايا متعددة، وتتناول هذه الدراسة جانبًا جوهريًا منها يتمثل في العلاقة بين قاعدة نقدية ضخمة تتسم بتركز هائل للسيولة في صورة احتياطيات فائضة، وبين النقود بمعناها الواسع، وهو سؤال يمس صلب فهم كيفية انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي وحدود فعالية أدواتها غير التقليدية في أوقات الأزمات المتعاقبة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين القاعدة النقدية الواسعة، التي تتميز بتركز كبير للسيولة في صورة احتياطيات فائضة لدى البنوك، وبين النقود الواسعة ممثلة بالمجمع النقدي الواسع، وذلك في سياق منطقة اليورو خلال الفترة من عام ألفين وثمانية إلى عام ألفين وأربعة وعشرين، واعتمدت الدراسة على عمل قياسي اقتصادي قدر مرونة النقود الواسعة بالنسبة إلى القاعدة النقدية، وفحص تطور مضاعف النقود عبر الفترة، كما حللت استقرار الطلب على النقود بالنسبة إلى متغيراته المحددة المتمثلة في أسعار الفائدة والدخل، وخصصت جانبًا من اهتمامها لممارسات البنوك الأوروبية في التعامل مع السيولة الفائضة عبر تسهيلات الإيداع لدى البنك المركزي، لما لهذه الممارسات من أثر في طبيعة السيولة الفائضة ومصدرها وكيفية إدارتها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر العمل القياسي في الدراسة أن مرونة النقود الواسعة بالنسبة إلى القاعدة النقدية منخفضة، بما يقود إلى استنتاج وجود علاقة ضعيفة بين هذين المقدارين النقديين الكليين، مصحوبة بتراجع حاد في مضاعف النقود عبر فترة الدراسة، وهو ما يعني أن التوسع الهائل في القاعدة النقدية الناتج عن عمليات التيسير الكمي لم يترجم إلى توسع متناسب في النقود الواسعة المتداولة في الاقتصاد، وفي المقابل ظل الطلب على النقود مستقرًا بالنسبة إلى متغيراته المحددة، أي أسعار الفائدة والدخل، بما يشير إلى أن سلوك حائزي النقود لم يضطرب رغم ضخامة التدخلات غير التقليدية، كما لفتت الدراسة الانتباه إلى ممارسات مرتبطة بتعامل البنوك الأوروبية مع السيولة الفائضة عبر تسهيلات الإيداع تستحق النظر والمتابعة من جانب السلطة النقدية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقترح الدراسة في ضوء نتائجها أن تمارس السلطة النقدية رقابة صارمة على طبيعة الأموال المكونة للسيولة الفائضة الناشئة عن عمليات البنك المركزي الأوروبي غير التقليدية ومصدرها، وعلى كيفية إدارتها، وهو اقتراح ينبع من أن ضخامة الاحتياطيات الفائضة بحد ذاتها لا تضمن انتقال أثر السياسة النقدية إلى الائتمان والنشاط الاقتصادي ما دامت العلاقة بين القاعدة النقدية والنقود الواسعة ضعيفة ومضاعف النقود متراجعًا بحدة، وتكتسب هذه الدلالات أهمية خاصة للبنوك المركزية التي تلجأ إلى التيسير الكمي في الأزمات، إذ تحذر من افتراض أن توسيع القاعدة النقدية يكفي وحده لتحفيز خلق النقود والائتمان، وتدعو إلى متابعة قنوات الانتقال الفعلية وسلوك البنوك في توظيف السيولة المتاحة لديها
وتزداد أهمية هذه النتيجة حين توضع في سياق الجدل الأوسع حول فعالية التيسير الكمي، فالمنطق التقليدي لانتقال السياسة النقدية يفترض أن توسيع البنك المركزي لقاعدته النقدية يغذي عبر مضاعف النقود توسعًا موازيًا في الائتمان والنقود الواسعة، غير أن تجربة منطقة اليورو بينت أن حلقة الوصل هذه قد تنقطع حين تفضل البنوك إيداع السيولة الفائضة لدى البنك المركزي بدل توظيفها في الإقراض، وحين تتراكم الاحتياطيات بوصفها غاية احترازية لا وسيطًا لنقل أثر السياسة إلى الاقتصاد، وفي هذه الحالة يصبح حجم القاعدة النقدية مؤشرًا مضللًا على درجة التيسير الفعلية، ويصبح السؤال الأهم هو أين تستقر السيولة وكيف تدار ومن يملك القرار في توظيفها، وهي الأسئلة التي تضعها الدراسة في صلب مقترحها الرقابي الموجه إلى السلطة النقدية
وخلاصة القول إن تجربة منطقة اليورو بين عامي ألفين وثمانية وألفين وأربعة وعشرين تبين أن أثر القاعدة النقدية في النقود الواسعة ظل ضعيفًا رغم أكثر من عقد من السياسة النقدية غير تقليدية والتيسير الكمي، إذ انخفضت مرونة النقود الواسعة وتراجع مضاعف النقود بحدة بينما ظل الطلب على النقود مستقرًا تجاه أسعار الفائدة والدخل، ومن ثم تدعو الدراسة إلى رقابة صارمة من السلطة النقدية على طبيعة السيولة الفائضة ومصدرها وإدارتها، وهي رسالة بالغة الأهمية لكل بنك مركزي يوظف الأدوات غير التقليدية في مواجهة الأزمات








