يحظى محتوى تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في تعليم الرياضيات باهتمام متزايد في دول متعددة، إذ ينظر إليه بوصفه جسرًا بين الرياضيات المجردة وتطبيقاتها في العلوم والمهن، غير أن الكتب المدرسية، رغم دورها الحاسم في تعليم الرياضيات وتعلمها، لم تحظ في البحوث السابقة بفحص كاف لمحتواها من هذه التخصصات وخصائصه، فأغلب دراسات الكتب ركزت على البنية الرياضية الداخلية وأغفلت حضور المحتوى المتكامل وطبيعته، وتأتي هذه الدراسة لتحليل أحدث ما وصل إليه محتوى هذه التخصصات في كتب الرياضيات للمرحلة المتوسطة في الولايات المتحدة والصين، عبر مقارنة منهجية بين سلسلتين واسعتي الاستخدام، لتحديد حجم هذا المحتوى وتوزيعه ومستويات تكامله وسياقاته ومدى توظيفه لتقنية المعلومات والاتصال داخل الكتاب المدرسي المعاصر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل واقع محتوى تخصصات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات في كتب رياضيات المرحلة المتوسطة الأمريكية والصينية وخصائصه، واعتمدت تحليل المحتوى منهجًا، فحددت وفحصت تسعمئة وثلاثًا وتسعين وحدة محتوى في السلسلة الأمريكية، وأربعمئة وثمانيًا وأربعين وحدة في سلسلة مطبعة التربية الشعبية الصينية، وعُدت الوحدة قسمًا أو قسمًا فرعيًا مفردًا أو فقرة إلى عدة فقرات أو صورة ورسمًا مع تعليقه، وصنف المحتوى بحسب المجال العلمي المنتمي إليه وموضوع الرياضيات المرتبط به وموضع عرضه في الكتاب، بين متن رئيس وتمارين ومقدمات فصول، وبحسب مستوى تكامله من مستوى غني يجمع معرفة عميقة وواسعة إلى مستوى متوسط يقوم على تكامل جزئي، وبحسب أصالة السياق بين سياقات واقعية ببيانات حقيقية وسياقات غير أصيلة، ودرجة دمج تقنية المعلومات والاتصال، بما أتاح مقارنة دقيقة متعددة الأبعاد بين تقليدين مختلفين في تأليف الكتب المدرسية، فالمقارنة لا تقف عند عد الوحدات بل تمتد إلى كيفية توزيعها على المجالات والموضوعات الرياضية ومواضع العرض ومستويات التكامل وأصالة السياقات، وهي أبعاد تحدد مجتمعة القيمة التربوية الفعلية لحضور هذه التخصصات داخل كتاب الرياضيات وفرص تحويله إلى خبرات تعلم ذات معنى لدى الطلاب
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحليل أن غالبية محتوى التخصصات في السلسلتين جاءت من العلوم الطبيعية بنسبة تسعة وسبعين وواحد من عشرة في المئة في السلسلة الأمريكية وخمسة وخمسين وواحد من عشرة في المئة في السلسلة الصينية، وتركز المحتوى في دراسة الأعداد والجبر، ووضع في الغالب داخل التمارين، مع سياقات أصيلة قليلة تستخدم مواقف واقعية أو بيانات حقيقية، ودمج محدود لتقنية المعلومات والاتصال، وكان المحتوى الغني المستوى القائم على التكامل العميق الواسع محدودًا جدًا في السلسلتين، وظهرت فروق معتبرة بينهما، فالسلسلة الصينية ضمت قدرًا أكبر من الهندسة والزراعة وعرضت المحتوى في المتن الرئيس بدرجة أكبر، بينما عرضت السلسلة الأمريكية قدرًا أكبر في الإحصاء والاحتمالات، ووضعت محتوى أكثر في مقدمات الفصول، وقدمت محتوى متوسط المستوى أكثر، وحققت توزيعًا متوازنًا بين السياقات الأصيلة وغير الأصيلة داخل محتواها الغني المستوى، وتبين هذه الفروق تباين فلسفات التأليف بين إعطاء الأولوية للعرض المنهجي في المتن أو للتطبيق التمريني والاستهلالي، كما تكشف محدودية المحتوى الزراعي والتقني والهندسي نسبيًا داخل كتب الرياضيات أن طموح التكامل بين التخصصات ما يزال يترجم غالبًا إلى استعارة أمثلة من العلوم الطبيعية وحدها، دون بناء مسارات تعلم تربط الرياضيات بالتصميم والتصنيع والبيانات ربطًا منهجيًا متدرجًا عبر الصفوف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أن محتوى التخصصات، وبخاصة في مستواه الغني، ما يزال محدودًا في كتب الرياضيات بالبلدين رغم الاهتمام العالمي المتصاعد، وتدعو بحوثًا لاحقة لاستكشاف النسب المناسبة لأنواع هذا المحتوى المختلفة عند تطوير الكتب، مثل تحسين دمج المحتوى من تخصصي التقنية والهندسة في دراسة الأشكال والهندسة، وربطه بسياقات أصيلة وتقنية معلومات واتصال فاعلة، كما تنبه مطوري الكتب والمعلمين إلى أن المحتوى الغني يوفر إلهامًا ومرجعيات ميسورة لتصميم أنشطة صفية مرتبطة بهذه التخصصات، غير أن كيفية توظيف هذا المحتوى بفعالية لدعم التعليم الصفي العملي ما تزال مسألة تستحق دراسة مستقبلية متعمقة، بما يشمل تجريب أنشطة مبنية عليه وقياس أثرها في تعلم الطلاب واتجاهاتهم نحو الرياضيات وتطبيقاتها
وخلاصة القول إن الدراسة حللت تسعمئة وثلاثًا وتسعين وحدة محتوى في كتب رياضيات أمريكية وأربعمئة وثمانيًا وأربعين وحدة في كتب صينية للمرحلة المتوسطة، فوجدت غلبة للعلوم الطبيعية وتركزًا في الأعداد والجبر والتمارين مع ندرة السياقات الأصيلة والمحتوى الغني التكامل، وفروقًا معتبرة بين السلسلتين في التوزيع ومواضع العرض، بما يستدعي إعادة نظر في نسب محتوى التقنية والهندسة ودمجه بالهندسة الرياضية والسياقات الواقعية والتقنية عند تطوير كتب الرياضيات مستقبلًا








