فرضت جائحة كورونا على الشركات في اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اضطرابًا واسعًا هدد استمرارها ودفعها إلى إعادة تنظيم أعمالها بوتيرة متسارعة، وكان التكيف الرقمي أحد أبرز استجاباتها، إذ اتجهت شركات كثيرة إلى ممارسة الأنشطة التجارية عبر الإنترنت وتقديم خدمات التوصيل أو الاستلام وتنظيم العمل عن بعد، غير أن العلاقة بين هذه الممارسات التكيفية وبين الابتكار المرتبط بالأزمة ظلت بحاجة إلى أدلة على مستوى الشركة، وتسعى هذه الدراسة إلى توفير هذه الأدلة بتحليل بيانات شركات من أربع دول هي الأردن ولبنان والمغرب ومالطا، مع فحص اتساع التكيف الرقمي نفسه بوصفه مؤشرًا تراكميًا لعدد الممارسات المتبناة، واختبار ما إذا كان الدعم الرقمي الحكومي يعدل العلاقة بين التكيف والابتكار
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا ارتبطت ممارسات التكيف الرقمي لدى الشركات بالابتكار المرتبط بالأزمة خلال جائحة كورونا، واعتمدت بيانات على مستوى الشركة من وحدة مسح المؤسسات التابع للبنك الدولي الخاصة بالجائحة، وشملت شركات في الأردن ولبنان والمغرب ومالطا، وركزت على ثلاث ممارسات تكيف رقمي فرضتها الأزمة هي ممارسة النشاط التجاري عبر الإنترنت، وتقديم خدمات التوصيل أو الاستلام الخارجي، وترتيبات العمل عن بعد، كما بنت مؤشرًا جمعيًا يقيس اتساع التكيف الرقمي بعدد الممارسات التي تبنتها الشركة الواحدة، وقدرت العلاقات بين هذه الممارسات والمؤشر وبين إعلان الشركة تقديم منتجات أو خدمات جديدة أو محسنة استجابة للجائحة، واختبرت متانة النتائج داخل عينة الشركات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص، كما فحصت ما إذا كان الدعم الرقمي الحكومي يعدل قوة العلاقة بين التكيف الرقمي والابتكار، مع التنبه إلى صغر حجم العينة عند تفسير نتائج هذا التعديل ومقارنة ثباتها عبر طرائق التقدير المختلفة المعتمدة في التحليل
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن ممارسات التكيف الرقمي الثلاث جميعًا ارتبطت ارتباطًا إيجابيًا ذا دلالة إحصائية بالابتكار المرتبط بالأزمة، فالشركات التي باعت عبر الإنترنت أو قدمت خدمات التوصيل والاستلام أو نظمت العمل عن بعد كانت أرجح إعلانًا لتقديم منتجات أو خدمات جديدة أو محسنة استجابة للجائحة، وارتبط مؤشر التكيف الرقمي بدوره ارتباطًا إيجابيًا بالابتكار، بما يشير إلى أن الشركات التي تبنت مجموعة أوسع من الممارسات الرقمية كانت أقدر على الابتكار من تلك التي اكتفت بممارسة واحدة، وظلت هذه العلاقات متينة عند فحصها داخل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي فئة يفترض عادة أنها الأقل موارد والأشد تعرضًا للصدمات، أما الدعم الرقمي الحكومي بوصفه متغيرًا معدلًا فجاءت نتائجه توحي بوجود أثر دون أن تثبت متانته عبر طرائق التقدير المختلفة، وعزت الدراسة ذلك إلى صغر حجم العينة، فلم تبن عليه استنتاجًا قاطعًا وبقيت قراءته في حدود الإشارة الأولية التي تستدعي تحققًا لاحقًا بعينات أوسع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة أدلة على مستوى الشركة حول العلاقة بين التكيف الرقمي المدفوع بالأزمات وقدرة الشركات على الابتكار أثناء الاضطرابات الكبرى في اقتصادات مختارة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتفيد صانع السياسة بأن الاستثمار المسبق في الجاهزية الرقمية للشركات الصغيرة والمتوسطة ليس ترفًا تقنيًا بل أصلًا للمرونة الاقتصادية وقت الأزمات، وأن تشجيع تبني حزم متكاملة من الممارسات الرقمية أنفع من دعم أدوات منفردة، كما تفيد إدارات الشركات في إدراك أن التحول الرقمي الاضطراري يمكن تحويله إلى قدرة ابتكارية دائمة إذا وثق ونظم واستثمر بعد انقضاء الأزمة، وتدعو الحاجة إلى مزيد من البحث في دور الدعم الحكومي الرقمي بعينات أكبر وبيانات طولية تسمح بفصل أثر التكيف ذاته عن آثار السياسات المصاحبة وظروف الأسواق المحلية المختلفة، إذ تتحول الممارسات الرقمية المتراكمة داخل الشركة إلى رصيد جاهز يعاد توظيفه بسرعة عند وقوع الاضطراب بدل بنائه من الصفر تحت ضغط الأزمة وندرة الوقت والموارد
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت ببيانات مسح المؤسسات الخاصة بجائحة كورونا في الأردن ولبنان والمغرب ومالطا أن ممارسات التكيف الرقمي الثلاث، من نشاط تجاري عبر الإنترنت وتوصيل وعمل عن بعد، ارتبطت إيجابيًا وبدلالة إحصائية بابتكار الشركات المرتبط بالأزمة، وأن اتساع التكيف عزز هذا الارتباط بثبات لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة، بينما بقي أثر الدعم الرقمي الحكومي المعدل إشارة غير حاسمة، بما يجعل الجاهزية الرقمية الشاملة ركيزة عملية لمرونة الشركات وابتكارها في الأزمات الكبرى المقبلة








