يتوقف تحقيق التنمية المستدامة في الاقتصادات الصاعدة على قدرتها على تحويل الاستثمار الأجنبي المباشر من مصدر لتشغيل مؤقت منخفض المهارة إلى رافعة لبناء قدرات معرفية راسخة تدوم عبر الأجيال، وتطرح هذه الدراسة سؤالًا محوريًا عن كيفية تحفيز الاستثمار الأجنبي لتكوين رأس المال البشري المستدام، وعن مدى قدرة الشركات متعددة الجنسيات على الإسهام في بناء المؤسسات التي يقوم عليها التحول نحو اقتصاد المعرفة، وتتخذ الدراسة من المغرب حالة تطبيقية تمتد على مدى يقارب نصف قرن، مستفيدة من تجربته في استقطاب استثمارات أجنبية في قطاعات متقدمة مثل صناعة الطيران والسيارات، بما يتيح اختبار القناة التي يفترض أن يمر عبرها أثر الاستثمار الأجنبي إلى التعليم والتدريب وبناء المهارات الوطنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس أثر الاستثمار الأجنبي المباشر في تكوين رأس المال البشري في المغرب وتفسير القنوات المؤسسية التي يعمل عبرها هذا الأثر، واعتمدت نموذجًا أحادي المعادلة بأسلوب المربعات الصغرى ذات المرحلتين باستخدام المتغيرات الأدواتية، وجعلت الالتحاق بالتعليم الثانوي متغيرًا تابعًا يقيس تكوين رأس المال البشري، وشملت البيانات ستًا وأربعين مشاهدة سنوية تمتد من عام ألف وتسعمئة وخمسة وسبعين إلى عام ألفين وعشرين، وتحقق الباحثة من متانة النتائج عبر مواصفات بديلة شملت المربعات الصغرى العادية والمربعات الصغرى الديناميكية والمربعات الصغرى المعدلة بالكامل، كما استكملت التحليل الكمي بأدلة قطاعية من تجمعات صناعة الطيران والسيارات في المغرب لتتبع كيفية انعكاس حضور المستثمرين الأجانب على برامج التعليم والتدريب المهني الموجهة، وفسرت النتائج في ضوء أهداف التنمية المستدامة ولا سيما الهدف الرابع الخاص بالتعليم الجيد والهدف الثامن الخاص بالعمل اللائق والنمو والهدف التاسع الخاص بالصناعة والابتكار والبنية التحتية
ثانيًا: أبرز النتائج
وجدت الدراسة أثرًا إيجابيًا للاستثمار الأجنبي المباشر في تكوين رأس المال البشري ذا دلالة إحصائية، إذ بلغ معامل الأثر 0.0029 مقابل كل مليون دولار من تدفقات الاستثمار الداخلة عند مستوى دلالة قدره 0.006، وظل الأثر ثابتًا في إشارته ودلالته عبر مواصفات المربعات الصغرى العادية وذات المرحلتين والديناميكية، ويتسق هذا الأثر مع قناة الطلب على المهارة التي تربط الشركات متعددة الجنسيات كثيفة المعرفة بارتفاع العوائد الخاصة والاجتماعية للتعليم وبزيادة الاستثمار العام والخاص الموجه للتدريب، وتدعم الأدلة القطاعية هذه القراءة، فقد نما الالتحاق بالبرامج ذات التوجه المهني في تجمعات الطيران والسيارات بنسبة ثلاثمئة واثني عشر في المئة بين عامي ألفين وخمسة وألفين واثنين وعشرين، وتركز هذا النمو في مناهج صُممت بالشراكة مع المستثمرين الأجانب، أما البنية التحتية للاتصالات فحملت معاملًا إيجابيًا دالًا في المقدرات الأربعة جميعًا لكنها فقدت دلالتها عند إضافة التحضر متغيرًا ضابطًا فلم تُعامل قناة مستقلة مؤكدة، وحمل الإنفاق العام على التعليم معاملًا سالبًا دالًا غير مستقر الإشارة في مواصفة المربعات الصغرى المعدلة بالكامل، بما يشير إلى أن إسهامه المستقل غير محدد بدقة في ضوء مجموعة الأدوات الحالية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامًا في أدبيات البناء المؤسسي المشترك بقيادة الشركات متعددة الجنسيات، وتصوغ ثلاثة شروط حدية لعمل آلية تحويل الاستثمار إلى قدرات معرفية هي خصوصية المهارة والتزام المستثمر وقدرة الدولة على التنسيق، وتحذر من تعميم النتائج على الاقتصادات النامية الأخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء إلا حيث تجتمع هذه الشروط معًا، وتفيد هذه الرؤية صانع السياسة في تصميم استراتيجيات استثمار أجنبي تدعم تحولًا شاملًا ومستدامًا نحو اقتصاد المعرفة، عبر ربط حوافز الاستثمار ببرامج تدريب مشتركة ومناهج مصممة مع المستثمرين ومتطلبات واضحة لنقل المعرفة إلى القوى العاملة الوطنية، على أن تقاس مؤشرات نجاح هذه الاستراتيجيات بما تبنيه من مهارات وطنية ومؤسسات تدريبية دائمة لا بحجم التدفقات الاستثمارية الداخلة وحدها
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت بأدلة كمية تمتد ستًا وأربعين سنة أن الاستثمار الأجنبي المباشر حفز تكوين رأس المال البشري في المغرب عبر قناة الطلب على المهارة، وأن تجمعات الطيران والسيارات قدمت نموذجًا عمليًا لمناهج مهنية مصممة بالشراكة مع المستثمرين الأجانب، غير أن انتقال هذه الآلية إلى اقتصادات نامية أخرى يظل مشروطًا بتوافر خصوصية المهارة والتزام المستثمر وقدرة الدولة التنسيقية مجتمعة، وهو ما يجعل تصميم سياسة الاستثمار شرطًا لا يقل أهمية عن حجم التدفقات ذاتها في بناء اقتصاد معرفة مستدام








