تتسع ظاهرة خطاب الكراهية عبر الإنترنت وتتعدد ضحاياها، وبينما أظهرت دراسات جرائم الكراهية عمومًا أن هذا النوع من الجرائم يرتبط بشعور بانعدام الأمن أعلى بدرجة دالة لدى الضحايا، ظلت الأدلة حول الشعور بانعدام الأمن الناجم عن خطاب الكراهية عبر الإنترنت قليلة، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتسد هذه الفجوة باختبار أثر التعرض لخطاب الكراهية خارج الإنترنت وداخله في شعور الضحايا بانعدام الأمن، مميزة بين ضحايا خطاب الكراهية الإلكتروني وضحايا الصور الأخرى من الجرائم السيبرانية ومن لم يتعرضوا لشيء منها، وتستمد الدراسة أهميتها من أن المحتوى البغيض عبر الشبكة ينتشر انتشارًا لا يمكن ضبطه ويصل إلى ضحاياه حتى في مجالاتهم الخاصة المحمية بما قد يعمق أثره النفسي والاجتماعي
ويتصل سؤال الدراسة بخط أوسع من بحوث آثار الجرائم السيبرانية في الشعور بالأمن، إذ قد يختلف أثر الجريمة في ضحيتها باختلاف طبيعتها ووسيط وقوعها ومدى اختراقها للحياة الخاصة المحمية للضحية ودوام حضورها في وعيه بعد وقوعها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار ثلاث فرضيات تتعلق بأثر خطاب الكراهية خارج الإنترنت وعبره في مشاعر انعدام الأمن، واعتمدت على تحليل ثانوي لبيانات مسح تمثيلي لأفراد المجتمع في ولاية ساكسونيا السفلى بألمانيا حول موضوع الجرائم السيبرانية لعام 2020 شمل 4102 مشاركين، وبنت نماذج إحصائية تقارن الشعور بانعدام الأمن خارج الإنترنت بين ضحايا خطاب الكراهية عبر الإنترنت وغير الضحايا، وبين ضحايا الصور الأخرى من الجرائم السيبرانية وغير الضحايا، وبين ضحايا خطاب الكراهية خارج الإنترنت وغير الضحايا، مع إدراج المتغيرات الضابطة ذات الصلة في النماذج الإحصائية ضمانًا لنقاء المقارنات، وأتاح التحليل الثانوي لبيانات مسح قائم أصلًا اختبار هذه الفرضيات بعينة كبيرة ممثلة للمجتمع المدروس دون الحاجة إلى جمع ميداني جديد
وصيغت الفرضيات الثلاث بحيث تقارن كل فئة من فئات الضحايا بغير الضحايا على حدة، فتتناول الأولى ضحايا خطاب الكراهية عبر الإنترنت، والثانية ضحايا الصور الأخرى من الجرائم السيبرانية، والثالثة ضحايا خطاب الكراهية خارج الإنترنت، وبذلك أمكن عزل أثر خطاب الكراهية الإلكتروني عن أثر الوقوع ضحية لأي جريمة سيبرانية من جهة وعن أثر الكراهية ذاتها في سياقها التقليدي من جهة أخرى
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن ضحايا خطاب الكراهية عبر الإنترنت يبدون شعورًا بانعدام الأمن خارج الإنترنت أكثر وضوحًا مقارنة بغير الضحايا، بينما لا يختلف ضحايا الصور الأخرى من الجرائم السيبرانية في هذا الشعور عن غير الضحايا، ولم يظهر أي أثر لخطاب الكراهية خارج الإنترنت حين أدرجت المتغيرات الضابطة ذات الصلة في النموذج الإحصائي، وبذلك يتميز خطاب الكراهية الإلكتروني عن سائر الجرائم السيبرانية وعن الكراهية التقليدية بأثر يمتد من الفضاء الرقمي إلى شعور الضحية بالأمن في حياته اليومية خارجه، ويفترض الباحثون أن أسباب هذه النتيجة تكمن في خصائص ظاهرة خطاب الكراهية عبر الإنترنت ذاتها، إذ ينتشر المحتوى البغيض انتشارًا لا يمكن السيطرة عليه على الشبكة ويبلغ ضحاياه حتى في المجالات الخاصة المحمية فلا يجد الضحية موضعًا ينقطع فيه عنه
وتحمل النتيجة دلالة دقيقة فالمسألة ليست أن ضحايا الجرائم السيبرانية عمومًا أكثر انعدامًا للأمن من غيرهم، بل أن خطاب الكراهية الإلكتروني تحديدًا هو ما ينقل الشعور بانعدام الأمن من الشاشة إلى الحياة اليومية خارجها، بينما لم يترك خطاب الكراهية خارج الإنترنت أثرًا باقيًا في هذا الشعور بعد ضبط المتغيرات الضابطة ذات الصلة في النموذج الإحصائي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبثق عن الدراسة دلالات لمؤسسات إنفاذ القانون ومنصات التواصل الاجتماعي وصناع السياسات، إذ تبرز أن مكافحة خطاب الكراهية عبر الإنترنت ليست قضية محتوى فحسب بل قضية شعور بالأمن يمتد أثره إلى الفضاء العام والحياة اليومية للضحايا، بما يدعو إلى سرعة الاستجابة لبلاغات المحتوى البغيض وتقديم دعم مناسب للضحايا، كما تبرز الحاجة إلى عدم مساواة جميع الجرائم ذات الدوافع الكراهية في تقدير عواقبها على الضحايا إذ تختلف باختلاف الوسيط الذي تقع عبره، وتوجه النتائج الباحثين إلى مزيد من الدراسات حول الآليات التي يتحول بها التعرض الرقمي للمحتوى البغيض إلى انعدام أمن محسوس في الواقع المعيش اليومي
وخلاصة القول إن التعرض لخطاب الكراهية عبر الإنترنت يترك أثرًا مميزًا في شعور الضحايا بانعدام الأمن خارج الشبكة لا يماثله أثر الجرائم السيبرانية الأخرى ولا خطاب الكراهية التقليدي، بما يستدعي استجابات مؤسسية وبحثية تراعي خصوصية هذه الظاهرة الرقمية وانتشارها اللامضبوط








