تتناول هذه الدراسة هوية العلم لدى الطلاب السائرين في طريقهم نحو أن يصبحوا باحثين علميين محترفين، إذ أفاد فهم هوية العلم في تفسير استمرار الطلاب في التعليم والمسارات المهنية المرتبطة بالعلم، غير أن المعرفة والنظرية المتعلقتين بهوية العلم لدى الطلاب المنخرطين في البحث على مستويات البكالوريوس وما بعد البكالوريوس والدراسات العليا ما تزالان في طور التطور، فليس من الواضح بعد في ضوء النظريات القائمة كيف تؤثر سياقات علمية بعينها، مثل خبرات التدريب البحثي، في هوية العلم لدى هؤلاء الطلاب، ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي توظف نظريات هوية العلم والهوية المهنية القائمة للتحقق من الكيفية التي يشكّل بها التدريب البحثي هوية الباحثين في بدايات مسيرتهم العلمية والمهنية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توصيف الكيفية التي يتعرف بها الباحثون في بدايات مسيرتهم على أنفسهم بوصفهم باحثين علميين، واعتمدت منهجًا كيفيًا أجرت فيه تحقيقًا مع 30 باحثًا في بدايات مسيرتهم المهنية، يضم طلابًا جامعيين وطلابًا في مرحلة ما بعد البكالوريوس وطلاب دكتوراه في مجالات متنوعة من العلوم الطبيعية، وحللت بياناتهم في ضوء نظريات هوية العلم والهوية المهنية، مستكشفة أحكامهم على هوياتهم والسياقات التي تتشكل فيها، وكيفية تمييزهم بين أدوارهم المختلفة أثناء خبرة التدريب البحثي، والعوامل التي تعزز إحساسهم بالانتماء إلى مجتمع الباحثين العلميين أو تضعفه، بما يقدم وصفًا دقيقًا لعمليات تشكل الهوية في البيئات البحثية التدريبية الحقيقية، وحرصت الدراسة على تنويع مجالات العلوم الطبيعية التي ينتمي إليها المشاركون ومراحلهم الدراسية، من البكالوريوس إلى الدكتوراه، بما يعكس تنوع خبرات التدريب البحثي وأشكالها في المختبرات والفرق البحثية، ويمكّن من رصد الفروق في تشكل الهوية بين المستويات المختلفة من الخبرة البحثية المتراكمة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الباحثين في بدايات مسيرتهم يعرفون أنفسهم إما بوصفهم طلاب علم أو بوصفهم باحثين علميين، ويميزون بين هاتين الهويتين وبين كونهم باحثين مهنيين ممارسين، وأنهم يصدرون أحكامًا أسمتها الدراسة تقويمات هوية العلم في سياق دورات متشابكة من تعلم العمل وتعلم الهوية، ففي دورات تعلم العمل يزنون إلى أي حد يدركون أن العمل الذي يؤدونه في تدريبهم البحثي يتسم بالأصالة ويتيح مجالًا للاستقلالية ويوفر فرصًا للانخراط المعرفي، وفي دورات تعلم الهوية ينظرون إلى الأدوار التي يملؤونها في خبرات تدريبهم ومدى توافقها مع تصوراتهم عن مهام الباحثين وسماتهم، كما تتشكل دورات تعلم الهوية هذه باعتراف الآخرين، سواء أكانوا داخل خبرات التدريب البحثي أم بعيدين عنها، إذ يؤثر هذا الاعتراف في كيفية رؤية الباحثين الناشئين لأنفسهم باحثين علميين، كما بيّنت النتائج أن الانتقال من هوية طالب العلم إلى هوية الباحث العلمي ليس حدثًا لحظيًا، بل عملية تراكمية تتغذى على تراكم المهام الأصيلة الموكولة إلى المتدرب وتزايد ثقته بقدرته على الإسهام الحقيقي في إنتاج المعرفة العلمية داخل فريقه البحثي ومجتمعه العلمي الأوسع نطاقًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
قام الباحثون بتركيب نتائجهم في نموذج مفاهيمي منقح لهوية الباحث العلمي، يوفر دقة نظرية معززة لدراسة هوية العلم مستقبلًا، ويفترض علاقات بين بنى مرتبطة بهوية العلم وتطور الهوية المهنية يمكن اختبارها في بحوث لاحقة، كما تقدم النتائج مضامين عملية لرعاية هوية الباحث العلمي لدى الباحثين الناشئين، إذ تنبه المشرفين ومصممي برامج التدريب البحثي إلى أهمية أن تتسم مهام التدريب بالأصالة وأن تتيح للمتدربين استقلالية حقيقية وانخراطًا معرفيًا عميقًا، وأن يحظوا باعتراف صريح من مشرفيهم وزملائهم، فهذه العناصر مجتمعة هي ما يحول خبرة التدريب من مجرد اكتساب مهاري إلى عملية تشكل هوية مهنية راسخة تدعم استمرار الناشئين في المسارات البحثية
وخلاصة القول إن هوية الباحث العلمي لا تولد دفعة واحدة، بل تتشكل تدريجيًا عبر دورات متشابكة من تعلم العمل وتعلم الهوية، يتقاطع فيها ما يؤديه الباحث الناشئ من مهام أصيلة مع ما يتلقاه من اعتراف من حوله، وإن هذه الدراسة بما قدمته من نموذج مفاهيمي منقح وإضاءات عملية للمشرفين ومصممي البرامج التدريبية، تثري فهمنا لكيفية إعداد الجيل الجديد من الباحثين العلميين ودعم بقائهم في ميادين البحث العلمي وازدهارهم فيها، وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات لاحقة تختبر علاقات النموذج المقترح كميًا وتتابع تشكل هوية الباحثين الناشئين عبر سنوات تدريبهم في مجالات علمية وثقافات أكاديمية متنوعة حول العالم
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








