يستخدم الطلاب طيفًا واسعًا من استراتيجيات الدراسة لتعلم محتوى مقرراتهم وإتقانه، وتتفاوت هذه الاستراتيجيات تفاوتًا كبيرًا في فاعليتها في تعزيز التعلم العميق طويل الأمد، غير أن أغلب الطلاب يستخدمون باستمرار استراتيجيات غير فعالة، وقد بينت محاولات تعليم الطلاب الاستراتيجيات الفعالة أن المعرفة بها وحدها لا تكفي لإحداث تغيرات واسعة ودائمة في سلوكهم الدراسي، وتتناول هذه الدراسة المنشورة في المجلة الدولية لتعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات خطوة لاحقة مهمة، هي كشف العوامل المؤثرة في قرارات الطلاب بشأن استراتيجيات الدراسة التي يختارونها، منطلقة من معتقدات الطلاب حول الذكاء، إذ إن الاستراتيجيات الأكثر فاعلية عرضة للخطأ بطبيعتها، وتحمل المعتقدات حول الذكاء دلالات بشأن ما إذا كانت الأخطاء جزءًا طبيعيًا بل مفيدًا من عملية التعلم كما في عقلية النمو، أو علامات على قصور في الذكاء كما في العقلية الثابتة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
افترضت الدراسة أن المعتقدات تجاه الأخطاء وردود الفعل عليها يتوسطان العلاقة بين المعتقدات حول الذكاء واستراتيجيات الدراسة، واختبرت هذا الافتراض عبر مسح شمل ثلاثمائة وخمسة وأربعين طالبًا جامعيًا يدرسون مقررًا تمهيديًا في علم الأحياء في جامعة حكومية نشطة بحثيًا في شمال غربي الولايات المتحدة، وقاست ثلاثة أبعاد للمعتقدات حول الذكاء هي العقلية والشمولية والبراعة، إلى جانب معتقدات الطلاب تجاه الأخطاء وردود فعلهم التكيفية أو غير التكيفية عند ارتكابها، واستراتيجيات دراستهم، وحللت البيانات بالتحليل العاملي التوكيدي للتحقق من البنية الداخلية للمقاييس، ثم بنموذج معادلات بنائية لتقييم النموذج الافتراضي ومسارات الوساطة فيه
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحليل العاملي التوكيدي أن البنية الداخلية لجميع المقاييس عملت كما هو متوقع في عينة الدراسة، وبين نموذج المعادلات البنائية أن العقلية، دون الشمولية والبراعة، تتنبأ بالتباين في كل من المعتقدات تجاه الأخطاء وردود الفعل عليها، وأن ردود الفعل التكيفية تجاه الأخطاء، لا المعتقدات تجاهها، هي التي ارتبطت باستخدام استراتيجيات دراسة عالية الفاعلية وبتباعد جلسات الدراسة وتوزيعها عبر الزمن، كما وُجدت علاقة غير مباشرة ذات دلالة إحصائية بين عقلية النمو وتباعد جلسات الدراسة، تمر عبر ردود الفعل التكيفية تجاه الأخطاء، فكلما آمن الطالب بأن ذكاءه قابل للتحسن كانت ردود فعله على أخطائه أكثر تكيفًا، ومال بذلك إلى اختيار استراتيجيات أشد عرضة للخطأ وأكثر فاعلية في تثبيت التعلم
وتعطي الدراسة وزنًا خاصًا للتمييز بين الأبعاد الثلاثة للمعتقدات حول الذكاء، فليست كل معتقدات الذكاء سواء في أثرها السلوكي، إذ لم تظهر الشمولية، أي الاعتقاد بأن الذكاء شامل أو خاص بمجال دون آخر، ولا البراعة، أي الاعتقاد بأن الأداء المتفوق يتطلب موهبة فطرية لامعة، أثرًا تنبؤيًا في متغيرات الدراسة، بينما انفردت العقلية بمعنى قابلية الذكاء للنمو عبر الجهد والتعلم بأنها المحرك الفعلي لردود الفعل تجاه الأخطاء، وبذلك تختصر الدراسة كثيرًا من التشتت في أدبيات المعتقدات الذكائية، وتوجه الانتباه إلى المكون الأجدى بالاستهداف في التدخلات التربوية الجامعية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج آلية تفسيرية للعلاقة المعروفة بين معتقدات العقلية لدى الطلاب ونواتجهم الأكاديمية، إذ يبدو أن الإيمان بقابلية الذكاء للتحسن يرتبط بردود فعل أكثر تكيفًا عند ارتكاب الأخطاء، وهو ما يرتبط بدوره باختيار استراتيجيات دراسة أشد عرضة للخطأ وبالتالي أجدى في التعلم العميق، وتشير دلالات الدراسة إلى أن التدخلات المستقبلية الرامية إلى تحسين استراتيجيات دراسة الطلاب قد تكون أكثر فاعلية إذا استهدفت في آن واحد تنمية ردود الفعل التكيفية تجاه الأخطاء والتأكيد على أن الذكاء قابل للتحسن، بدل الاكتفاء بتلقين الطلاب قوائم الاستراتيجيات الفعالة، وهو توجيه عملي لمصممي برامج الدعم الأكاديمي وأعضاء هيئة التدريس في المقررات الجامعية الأولى
كما تضيء النتائج الفرق الدقيق بين معرفة الأخطاء والتعامل معها، فقد تبين أن معتقدات الطالب النظرية عن كون الأخطاء مفيدة لا تترجم من تلقاء ذاتها إلى سلوك دراسي أفضل، وأن الحلقة الفاعلة هي رد الفعل الوجداني والسلوكي لحظة وقوع الخطأ، كالمثابرة والتحليل بدل الانسحاب والإحباط، ومن ثم فإن برامج تطوير مهارات الدراسة التي تكتفي بالمحاضرات التوعوية عن الاستراتيجيات تظل ناقصة ما لم تتضمن تدريبًا عمليًا يختبر فيه الطلاب ردود فعلهم على أخطاء حقيقية في مهام دراسية، ويعاد تأطير تلك الأخطاء لديهم بوصفها بيانات تعلم لا أحكامًا على قدراتهم
وخلاصة القول إن الدراسة تبين أن عقلية النمو لدى الطلاب الجامعيين ترتبط باستراتيجيات دراسة أكثر فاعلية وتباعد أفضل لجلسات الدراسة، عبر ما تولده من ردود فعل تكيفية تجاه الأخطاء، بما يرشد التدخلات التعليمية إلى مخاطبة معتقدات الطلاب وردود فعلهم جنبًا إلى جنب مع مهارات الدراسة ذاتها








