يعد التطوير المهني للمعلمين أثناء الخدمة ركيزة أساسية لتحسين جودة المعلم والارتقاء بنواتج تعلم الطلاب، إذ إن التطوير المهني الفعال يزود المعلمين بما يمكنهم من الانخراط النشط في حل المشكلات وبناء المعنى، غير أن التطوير المهني عبر الإنترنت في صورته الراهنة كثيرًا ما يفتقر إلى الدعم المخصص المصمم وفق احتياجات كل معلم، وإلى التحليل المنظم والتواصل والتغذية الراجعة، وهو ما يحد من قدرة المعلمين على الانخراط في بناء عميق للمعرفة، وفي هذا السياق جذب الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي تمثله نماذج مثل تشات جي بي تي، اهتمامًا كبيرًا لما ينطوي عليه من إمكانات واعدة في التعليم، ولا سيما في تقديم التغذية الراجعة الشخصية وتعزيز الانخراط المعرفي العميق لدى المعلمين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر نموذج لغوي كبير مطور في الصين في عمليات بناء المعرفة لدى المعلمين أثناء الخدمة، والإجابة عن تساؤل رئيس يتعلق بالكيفية التي يمكن بها للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يعمل داخل هذه العمليات ويدعمها، وقد اعتمدت الدراسة في تحقيق هدفها على تحليل التكرارات وتحليل الشبكات المعرفية، بوصفهما أداتين تتيحان تتبع أنماط الخطاب المعرفي الذي ينتجه المعلمون أثناء أنشطة بناء المعرفة وفحص الروابط القائمة بين عناصره، وقد ركز التحليل على عمليات تحليل المعلومات والتفكير الناقد ومعالجة المعلومات وتقويمها ونقل المعرفة، وعلى مدى حضور التفاعل الاجتماعي والتعاون ضمن هذه العمليات، كما عنيت الدراسة بفحص كيفية تباين أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي عبر مهام التعلم المختلفة، وبخاصة المهام العليا المعقدة مقارنة بالمهام الأقل تعقيدًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعزز بدرجة دالة قدرة المعلمين أثناء الخدمة على تحليل المعلومات والتفكير الناقد، وأنه يدفعهم إلى إيلاء اهتمام أكبر لمعالجة المعلومات وتقويمها ونقل المعرفة أثناء عملية بناء المعرفة، غير أنه كان أقل فاعلية في تعزيز التفاعل الاجتماعي والتعاون بين المعلمين، فظل هذا الجانب هو الأضعف حضورًا في العمليات المدروسة، وكشفت النتائج كذلك أن أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي في بناء المعرفة يتباين باختلاف مهام التعلم، إذ كان دعمه أكثر وضوحًا ودلالة في المهام العليا المعقدة التي تتطلب مستويات أعمق من المعالجة والتفكير، وهو ما يدل على أن قيمة هذا الدعم ترتبط بطبيعة المهمة التي يؤديها المعلمون ومستوى تعقيدها
وتتسق هذه الصورة مع طبيعة الدعم الذي يقدمه النموذج اللغوي الكبير للمعلم، فهو يتيح له مادة معرفية جاهزة للتحليل والتقويم وإعادة التنظيم، بما يثري عمليات المعالجة الفردية للمعرفة، بينما يظل البعد التفاعلي بين المعلمين أنفسهم معتمدًا على قنوات تواصل بشرية لا يوفرها النموذج بذاته، كما أن بروز الأثر في المهام العليا المعقدة يوحي بأن المعلمين يستثمرون إمكانات النموذج بصورة أعمق حين تتطلب المهمة تحليلًا وتركيبًا وتقويمًا، مقارنة بالمهام الروتينية التي قد لا تستدعي هذا العمق من المعالجة المعرفية والنشاط الذهني المكثف
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات مهمة لمصممي برامج التطوير المهني للمعلمين ومقدميه، إذ تشير إلى إمكان توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي في تقديم دعم مخصص وتغذية راجعة شخصية تسهم في تعميق الانخراط المعرفي للمعلمين وتحسين قدرتهم على تحليل المعلومات وتقويمها، مع ضرورة الانتباه إلى أن هذا التوظيف لا يغني عن بناء فرص التفاعل الاجتماعي والتعاون التي ما زالت تحتاج إلى آليات داعمة أخرى، كما تدعو النتائج إلى مراعاة طبيعة مهام التعلم عند تصميم أنشطة التطوير المهني، بحيث يوجه الذكاء الاصطناعي التوليدي بصورة أكبر نحو المهام العليا المعقدة حيث يظهر أثره الأقوى، وقد بنت الدراسة على هذه النتائج جملة من التوصيات الموجهة إلى التطوير المهني للمعلمين
كما تمنح النتائج القائمين على برامج التطوير المهني عبر الإنترنت مؤشرات عملية لمعالجة مواطن القصور التي شخصتها الدراسة في هذه البرامج، من غياب الدعم المخصص وضعف التحليل المنظم والتغذية الراجعة، إذ يمكن سد جزء من هذه الفجوات بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي المصممة بعناية، على أن يظل تصميم الأنشطة التعاونية وبناء التفاعل الاجتماعي بين المعلمين هدفًا مستقلًا في بناء البرنامج لا يتحقق تلقائيًا بمجرد إدخال الأدوات الذكية إلى بيئة التطوير المهني
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا على أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على إحداث أثر ملموس في عمليات بناء المعرفة لدى المعلمين أثناء الخدمة، ولا سيما في تحليل المعلومات والتفكير الناقد ومعالجة المعرفة وتقويمها ونقلها، وأن توظيفه الواعي في برامج التطوير المهني، وبخاصة في المهام المعقدة، يمثل مسارًا واعدًا لتحسين جودة المعلم ودعم تعلمه المستمر








