تفتح تقنيات الاتصال المرئي وبيئات الواقع الافتراضي آفاقًا جديدة للتدريب على المهارات الموسيقية عن بُعد، غير أن القدرة التنافسية لكل من هاتين البيئتين في تنمية الإتقان الأدائي ونقل الخصائص الجمالية للأداء الموسيقي ما تزال بحاجة إلى اختبار مقارن دقيق، وفي هذا الإطار تقارن هذه الدراسة بين مجموعات الدردشة بتقنية الفيديو وتقنية الواقع الافتراضي بوصفهما منصتين لممارسة المهارات الموسيقية لدى الطلاب، وتركز على تعلم الموسيقى الشعبية الصينية المنفذة بآلة الأوبوا، وما يرتبط بها من دقائق تعبيرية وانفعالية يصعب نقلها عبر القنوات التقليدية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة فاعلية تقنيات الاتصال المرئي ومجموعات الواقع الافتراضي منصتين لممارسة المهارات الموسيقية لدى الطلاب، وفحص قدرتهما على نقل الخصائص الجمالية للأداء الموسيقي، وأثرهما في دافعية الطلاب، وقد شمل البحث 106 من طلاب السنوات النهائية في مؤسستين للتعليم العالي في الصين، واستخدمت منصة زووم ومنصة في آر تشات منصتين تعليميتين للمجموعتين التجريبيتين، وقارن الباحث بين المجموعتين في إتقان الأداء وإدراك قيمة المهمة والإحساس بالانغماس وجودة التجربة الجمالية، مستخدمًا اختبار ت الإحصائي في فحص دلالة الفروق بين المجموعتين
ثانيًا: أبرز النتائج
لم تكشف النتائج عن فروق دالة بين المنصتين في إتقان الأداء، فقد أظهر إدراك قيمة المهمة أكبر زيادة مسجلة إذ بلغ 5.65 مقابل 4.81 من أصل سبع درجات، وأظهرت أزواج القيم الثلاثة كلها فروقًا دالة بين المجموعتين وفق نتائج اختبار ت، ولوحظ لدى مجموعة الواقع الافتراضي إحساس أعلى بالانغماس وجودة للتجربة الجمالية إذ بلغ 4.81 مقابل 3.70 من أصل خمس درجات لدى مجموعة المؤتمرات المرئية، وتأكدت قدرة الواقع الافتراضي الأكبر على نقل الفروق الانفعالية المميزة للموسيقى، إذ برزت لدى مجموعته سمتان من السمات الست المميزة للموسيقى الشعبية الصينية، هما الجوانب الغنائية عالية الفنية ودقة التنغيم، بدرجة أوضح منها لدى مجموعة المؤتمرات المرئية
وتدل هذه النتائج على أن تفوق الواقع الافتراضي لا يقع في مجال المهارة الأدائية ذاتها بل في جودة التجربة المصاحبة للتعلم، فالطالب الذي يشعر بالانغماس ويلتقط الدقائق الجمالية للأداء تتعزز دافعيته واستمتاعه بما يتعلمه، بينما تظل المنصتان متقاربتين فيما يتصل بإتقان الأداء المقاس في هذه الدراسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج الدراسة إلى إمكانات تقنية الواقع الافتراضي في رفع جودة التجربة الجمالية ودافعية التعلم لدى طلاب التربية الموسيقية، بمن فيهم دارسو آلات النفخ، وتفيد مصممي برامج تعليم الموسيقى عن بُعد في الموازنة بين أهدافهم عند اختيار المنصة، فإذا كان الهدف نقل الخبرة الجمالية والدقائق التعبيرية للأداء رجحت كفة البيئات الغامرة، أما حين يكون الهدف تدريبًا أدائيًا مباشرًا فقد تكفي منصات الاتصال المرئي الشائعة، كما تفتح النتائج الباب أمام دراسات لاحقة تختبر أثر الانغماس في آلات موسيقية ومراحل عمرية مختلفة، وتقيس علاقة التجربة الجمالية بالتحصيل الموسيقي على المدى الأطول
ويستحق مؤشر إدراك قيمة المهمة وقفة خاصة، فقد سجل أكبر زيادة بين المؤشرات المقاسة، وهو مؤشر يتصل بشعور الطالب بأهمية ما يتعلمه وجدواه، وارتفاعه في بيئة الواقع الافتراضي يعني أن الانغماس لا يضيف متعة سطحية فحسب، بل يعمق اقتناع الطالب بقيمة المهمة التعليمية ذاتها، وهو اقتناع يرتبط عادة بالمثابرة وبذل الجهد، كما أن بروزه لدى مجموعة الواقع الافتراضي بفروق دالة وفق اختبار ت يعطي النتيجة وزنًا يتجاوز الانطباعات الذاتية العابرة
ولا تقل دلالة نتائج الخصائص الجمالية شأنًا، فالموسيقى الشعبية الصينية تقوم على دقائق تعبيرية مثل الطابع الغنائي عالي الفنية ودقة التنغيم، وهي عناصر يصعب على الطالب التقاطها عبر شاشة مسطحة، وقد أظهر طلاب مجموعة الواقع الافتراضي حساسية أعلى لهاتين السمتين من السمات الست المميزة، بما يوحي بأن البيئة الغامرة تنقل من روح الأداء ما تعجز عنه المؤتمرات المرئية، وهو مكسب نوعي مهم في تعليم الفنون الأدائية التي يقوم جوهرها على الذائقة والشعور بقدر ما يقوم على المهارة التقنية
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم مقارنة تجريبية مفيدة بين بيئتين رقميتين في تعليم الموسيقى، وتبين أن الواقع الافتراضي يتفوق في الانغماس والتجربة الجمالية والدافعية دون أن يتفوق في إتقان الأداء، بما يمنح المعلمين والمؤسسات قاعدة أدق لاختيار التقنية المناسبة لهدف التعلم المقصود








