يحظى نموذج مساعد التعلم باهتمام واسع في مقررات العلوم الجامعية لما يحققه من دعم لنجاح الطلاب، إذ يعمل فيه طلاب متقدمون مساعدين لأقرانهم داخل الفصول بقيادة أعضاء هيئة التدريس، غير أن تباين النواتج المتحققة من هذا النموذج عبر السياقات المختلفة أثار دعوات إلى مزيد من البحث في كيفية تطبيقه فعليًا لا في نتائجه فقط، وتأتي هذه الدراسة لتسد هذه الفجوة بفحص كيفية تأثر ممارسات مساعدي التعلم ونموهم المهني بالبيئة الصفية التي يعملون فيها وبالأهداف التي يضعها الأساتذة لمقرراتهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى توصيف كيفية إعداد ثلاثة أساتذة مختلفين لفصول تعتمد على مساعدي التعلم، وكيفية تشكل فهم المساعدين لممارساتهم وتطورهم بتأثير نشاط الفصل، واعتمدت إطار نظرية النشاط الثقافي التاريخي بوصفه إطارًا اجتماعيًا ثقافيًا يتيح دراسة أنظمة النشاط المعقدة الموجهة نحو غايات محددة بطريقة منظمة، ويصور هذا الإطار التغير داخل هذه الأنظمة بوصفه تعلمًا توسعيًا يبدأ حين يمر الفاعلون بتناقض ما فيقودهم إلى الاستبطان والتأمل الذاتي الناقد، ثم إلى إخراج الحلول إلى حيز التطبيق والبحث عن التغيير، وحللت الدراسة مقابلتين شبه مقننتين بأثر رجعي مع ثلاثة أساتذة وأحد عشر مساعد تعلم
ويتوزع تحليل الدراسة على مستويين متكاملين، أولهما مستوى الأساتذة وكيفية توظيفهم لتفاعلات مساعدي التعلم مع الطلاب قصدًا وغاية، وثانيهما مستوى المساعدين أنفسهم ودوافعهم المتعددة أحيانًا والمتعارضة أحيانًا أخرى، إذ تميز الدراسة بين دوافع عملية يصف بها المساعدون طبيعة عملهم اليومي، ودوافع متصلة بصنع المعنى تتعلق بكيفية فهمهم لسبب قيامهم بهذا العمل، ثم تربط بين درجة اندماج هذه الدوافع أو انفصالها واتساقها أو تعارضها مع الغاية الجماعية للمقرر وبين آليات تعلم المساعدين أثناء الممارسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن كيفية تطبيق نموذج مساعد التعلم اختلفت تبعًا للممارسات التربوية للأساتذة وأهدافهم، فقد وظف كل أستاذ تفاعلات المساعدين لخدمة تعلم الطلاب، وكلف المساعدين بدعم الطلاب وجدانيًا وهم يتعاملون مع المحتوى ومواضع الالتباس فيه في بيئة آمنة، غير أن القواعد وتقسيمات العمل اختلفت بين الأساتذة الثلاثة بتأثير تصوراتهم عن التعلم وغاياتهم من المقرر، وبذلك بدا النموذج الواحد في صور تطبيقية متعددة تختلف في بنيتها رغم اشتراكها في الاسم والفكرة العامة
وعلى مستوى المساعدين، تبين أن لكل مساعد دوافع متعددة قد تتعارض أحيانًا، تنقسم بين ما هو عملي يتصل بمهامه اليومية وما هو متصل بصنع المعنى وفهمه لجدوى عمله، وأن كيفية اندماج هذه الدوافع أو انفصالها واتساقها أو تعارضها مع الغاية الجماعية للمقرر أثرت في تعلم المساعدين أثناء الممارسة عبر آلية الانسجام أو آلية التناقض، وأن كل مساعد طور ممارسات فريدة خاصة به تشكلت بنشاط الفصل وشكلته بدورها في علاقة تبادلية مستمرة بين الفرد ونظام النشاط الذي يعمل فيه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة الدراسة في ربطها بين أدبيات تركز على نواتج نموذج مساعد التعلم وأخرى تركز على تعلم المساعدين ونموهم، إذ تصف كيف تتشكل آليات تعلم المساعدين بسياقاتهم الصفية، وتقدم بذلك فهمًا أعمق لكيفية عيش الطلاب والأساتذة والمساعدين تجربة النموذج كل من موقعه، ويمكن لمصممي برامج مساعدي التعلم الاستفادة من هذه النتائج بمراعاة أن نجاح النموذج لا يتوقف على بنيته الشكلية، بل على وضوح غايات المقرر واتساقها مع دوافع المساعدين وتوقعاتهم، وعلى إدارة التناقضات التي تنشأ أثناء التطبيق بوصفها فرصًا للتعلم التوسعي لا عوائق أمامه
كما تفيد الدراسة إدارات الجامعات ووحدات تطوير التعليم حين تخطط لتوسيع نطاق النموذج، فالتباين الموثق بين الأساتذة الثلاثة ينبه إلى ضرورة تأهيل أعضاء هيئة التدريس أنفسهم لفلسفة النموذج ومتطلباته، لا الاكتفاء بتدريب المساعدين، وأن إشراك المساعدين في فهم غايات المقرر وصنع معنى عملهم يعزز اندماج دوافعهم العملية بمعنى ما يفعلونه، وهو الاندماج الذي أظهرته الدراسة طريقًا إلى تعلم أعمق وممارسات أنضج داخل الفصل
وخلاصة القول إن نموذج مساعد التعلم ليس قالبًا واحدًا يطبق بالطريقة ذاتها في كل مكان، بل نظام نشاط يتشكل بغايات الأساتذة وتصوراتهم ودوافع المساعدين وتفاعلاتهم، وقد أضاءت الدراسة بإطار نظرية النشاط الثقافي التاريخي آليات هذا التشكل، فقدمت أساسًا راسخًا لفهم تباين نواتج النموذج وتطوير تطبيقه في مقررات العلوم الجامعية وغيرها








