تترك الفروق الفردية في الطلاقة الإبداعية والطلاقة اللفظية بصماتها على كتابات الطلاب بطرق يمكن التقاطها لغويًا، فقد بات ممكنًا بفضل اللغويات الحاسوبية تحليل عينات من الكتابة الذاتية واستخراج سمات لغوية تتصل بأبعاد محددة من اللغة، ثم نمذجة هذه الفروق والتنبؤ بها، وتندرج هذه الدراسة في هذا الاتجاه إذ تبحث كيف يمكن التمييز بين الفروق الفردية المتصلة بالطلاقتين الإبداعية واللفظية ونمذجتها عبر السمات اللغوية الظاهرة في كتابة الطلاب، مستثمرة نماذج التعلم الآلي في قراءة مؤشرات الإبداع الكامنة في النصوص التي يكتبها المتعلمون أنفسهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص إمكان التنبؤ بدرجات الطلاقة الإبداعية والطلاقة اللفظية من السمات اللغوية في مقالات المشاركين، واستخدمت اللغويات الحاسوبية في تحليل عينات من الكتابة داخل الشخص لاستخراج سمات لغوية تنتظم في أبعاد لغوية محددة، وحُسبت درجات الطلاقة الإبداعية بعدد الأفكار الفريدة المولدة في مهمة الاستخدامات البديلة، بينما حُسبت درجات الطلاقة اللفظية بعدد الفئات الدلالية الفريدة المنتجة في مهمة تسمية الحيوانات، ثم طور الباحثون نماذج تعلم آلي للتنبؤ بدرجتي الطلاقة من السمات اللغوية لمقالات المشاركين، وقارنوا بين قابلية الطلاقتين للتنبؤ وبين أوزان السمات المختلفة في هذا التنبؤ
ويقوم التصميم على فصل دقيق بين الطلاقتين، فمهمة الاستخدامات البديلة تقيس قدرة الفرد على توليد استخدامات غير مألوفة لأشياء مألوفة فتكون مرآة للتفكير التباعدي المنتج للأفكار الفريدة، بينما تقيس مهمة تسمية الحيوانات قدرته على استدعاء فئات دلالية متعددة من ذاكرته فتتصل بالتنظيم الدلالي والاسترجاع، وبمقابلة هاتين الدرجتين بالسمات اللغوية المستخرجة من مقالات كتبها المشاركون أنفسهم في سياق ذاتي، تختبر الدراسة ما إذا كانت الكتابة الاعتيادية تحمل من البصمات ما يكفي للاستدلال على هاتين القدرتين دون إخضاع المتعلم لاختبارات إضافية
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج إلى أن الطلاقة الإبداعية تُنبئ بها السمات اللغوية بقوة أكبر من الطلاقة اللفظية، ولا سيما مؤشرات الوصف والتماسك، وكان من أبرز منبئات الطلاقة الإبداعية السمات التي تلتقط التنوع المعجمي والترابط الكلي للأفكار في النص، بما يعني أن الكتابة الغنية المفردات والمترابطة الأفكار تعكس صاحبها الأقدر على توليد أفكار فريدة، وتتسق هذه النتائج مع الأطر النظرية المتصلة بالتفكير التباعدي والتفكير التقاربي، فتجد سندًا تفسيريًا يتجاوز مجرد الارتباط الإحصائي، وتبرز النتائج بذلك قدرة تحليلات التعلم على تقديم رؤى جديدة في عمليات معرفية معقدة مثل الإبداع انطلاقًا من آثارها اللغوية في كتابات الطلاب
كما أن اعتماد الدراسة على كتابة ذاتية يكتبها الفرد عن ذاته وتجربته يضفي على المؤشرات حساسية للصوت الفردي والأسلوب الشخصي، فتكون الفروق المرصودة فروقًا في التعبير الفعلي لا في الالتزام بقوالب كتابية مفروضة، وهو ما يقرب هذا النموذج من الاستخدام الصفي الطبيعي حيث يكتب الطلاب بحرية وتنعكس قدراتهم في اختياراتهم اللغوية ذاتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح هذه النتائج مسارات تطبيقية واعدة في التعليم، أبرزها التقييمات الخفية التي تستدل على قدرات المتعلمين المعرفية من كتاباتهم الاعتيادية دون اختبارات إضافية مرهقة، والتغذية الراجعة المخصصة داخل نظم الكتابة الآلية التي يمكن أن تنبه الطالب إلى جوانب الثراء المعجمي وترابط الأفكار في نصه، وتنبه الدراسة في الوقت ذاته إلى أن الطلاقة اللفظية أقل انكشافًا في السمات اللغوية للمقالات، فلا ينبغي التعويل على مؤشر واحد لكل القدرات، وتظل نمذجة الإبداع من اللغة خطوة أولى تحتاج إلى تطوير عبر عينات أوسع ومهام كتابية متنوعة وربط أدق بالأطر النظرية للتفكير الإبداعي
ويحمل التمييز بين الطلاقتين في قابلية التنبؤ تنبيهًا مهمًا لمصممي نظم التقويم الآلي، فليست كل قدرة معرفية منكشفة في النص بالدرجة ذاتها، والطلاقة اللفظية المرتبطة بتنظيم الذاكرة الدلالية واسترجاعها قد تحتاج إلى مهام مصممة خصيصًا لإظهارها بدل استنباطها من المقالات، بينما تترك الطلاقة الإبداعية أثرًا أعمق في نسيج الكتابة ذاته من مفردات وتماسك، ويقترح ذلك مسارًا بحثيًا يجمع بين الكتابة الحرة ومهام معرفية موجهة داخل أنظمة تعلم واحدة، فتتكامل المؤشرات النصية مع المؤشرات الأدائية في صورة أشمل لقدرات المتعلم
وخلاصة القول إن ما يكتبه الطلاب يحمل بصمات قابلة للقياس لقدراتهم الإبداعية، وإن السمات اللغوية ولا سيما التنوع المعجمي وترابط الأفكار تنبئ بالطلاقة الإبداعية أكثر مما تنبئ بالطلاقة اللفظية، وإن هذا الاكتشاف يحول كتابات المتعلمين من منتجات تُقيم في ذاتها إلى نوافذ على العمليات المعرفية الكامنة وراءها
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








