يُعد الانخراط السلوكي من أبرز المؤشرات المنبئة بالنجاح الأكاديمي، وهو يقوم على التفاعل الدقيق بين الجهد المبذول والوقت المستثمر في التعلم، غير أن فهم تطور هذا الانخراط عبر الزمن ما يزال محدودًا، إذ تندر الدراسات الطولية الموجهة نحو الأشخاص في انخراط الطلاب، وكثيرًا ما تفتقر مقاييس الانخراط عبر الإنترنت إلى التأصيل النظري فتقدم أوصافًا مبسطة تغفل تعقيد عمليات الانخراط وتموجاتها، وتسد هذه الدراسة هذه الفجوة بتطبيق تعريف إجرائي مؤصل نظريًا للانخراط السلوكي على بيانات سجل منصة تعلم عبر الويب، لتتبع أنماط الانخراط الأسبوعية وانتقالات الطلاب بينها عبر أسابيع المقرر
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الإجابة عن سؤالين، أولهما ما إذا كان يمكن تحديد ملفات أسبوعية قائمة على أنماط انخراط متميزة، وثانيهما كيف ينتقل الطلاب بين هذه الملفات عبر الزمن، وطبقت تعريفًا إجرائيًا للانخراط السلوكي مؤسسًا على النظرية في تحليل بيانات سجل 236 طالبًا في منصة تعلم عبر الويب، واستخدمت التحليل العنقودي الهرمي لاستخراج ملفات الانخراط من البيانات الأسبوعية، ثم وظفت تقنيات التنقيب في العمليات لتتبع تغير عضوية الطلاب في الملفات من أسبوع إلى آخر، بما أتاح رسم صورة دينامية للانخراط لا تكتفي بوصفه في لحظة واحدة بل ترصد تشكله وتبدله عبر مسار المقرر
ويكتسب التأصيل النظري للتعريف الإجرائي أهميته من أن كثيرًا من مقاييس الانخراط عبر الإنترنت تُبنى على ما تتيحه بيانات المنصات من عدّات بسيطة للنقرات أو الدقائق دون ربطها بمفهوم نظري للجهد والوقت، فجاء تعريف هذه الدراسة ليربط المؤشرات الرقمية بالمعنى التربوي للانخراط، وتتيح بيانات السجل تتبع هذا الانخراط أسبوعًا بعد أسبوع بدل الاكتفاء بمتوسطات كلية تمحو الفروق بين الطلاب وبين مراحل المقرر، وهو ما يجعل التحليل أقرب إلى طبيعة التعلم ذاته بوصفه عملية ممتدة تتشكل فيها العادات والاستراتيجيات تدريجيًا
ثانيًا: أبرز النتائج
أسفر التحليل العنقودي عن ملف واحد غير نشط وستة ملفات نشطة متميزة هي ملف المتعلمين السريعين والمتعلمين المنتظمين ومتوسطي الانخراط والمقتصدين والمتعلمين المتعثرين والمؤجلين، وأشارت النتائج إلى تباين في كيفية نشوء هذه الملفات عبر الأسابيع، وتبين أن الانخراط الفعال يتميز بالتواؤم مع مواعيد التسليم النهائية في المقرر، فالملفات الناجحة تنظم جهدها ووقتها في ضوء إيقاع المقرر ومتطلباته، وكشف التنقيب في العمليات عن تغيرات في عضوية الملفات عبر الأسابيع، إذ أظهرت انتقالات الملفات استقرارًا نسبيًا لدى المجموعات الفعالة وتقلبًا أكبر لدى الملفات منخفضة الوقت، بما يعني أن أنماط الانخراط الهشة أقل ثباتًا وأكثر عرضة للتحول صعودًا وهبوطًا
وتستحق أسماء الملفات ذاتها تأملًا، فهي ترسم خريطة لأنماط تعلم مألوفة في التعليم الإلكتروني، من المتعلم السريع الذي ينجز مبكرًا بكفاءة، إلى المنتظم الذي يوزع جهده بثبات، إلى المقتصد الذي يبذل الحد الأدنى، إلى المتعثر الذي يحاول دون أن يستقر، إلى المؤجل الذي يراكم العمل حتى المواعيد الأخيرة، وأن يظهر ملف غير نشط إلى جانب هذه الملفات يعني أن غياب الانخراط ذاته نمط ينبغي رصده لا مجرد قيمة صفرية، وكون الانتقالات بين الملفات ممكنة ومقيسة يفتح الباب لدراسة ما الذي يحرك الطالب من ملف إلى آخر صعودًا أو هبوطًا عبر الأسابيع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج رؤى عملية لتطوير دعم تعليمي مخصص للمتعلمين، إذ يمكن لتصنيف الطلاب أسبوعيًا إلى ملفات انخراط أن يوجه التدخلات في توقيتها المناسب، فيُدعم المتعثرون والمؤجلون قبل تراكم التعثر، وتُغذى بهذه الملفات تطبيقات الذكاء الاصطناعي المدربة على دعم التعلم ولوحات تحليلات التعلم التي يستخدمها المعلمون، كما تنبه الدراسة مصممي المقررات إلى أن مواعيد التسليم ليست مجرد ضوابط إدارية بل إيقاع منظم للانخراط الفعال يمكن توظيفه بوعي في تصميم الأنشطة، ويظل فهم تعقيد الانخراط وبعده الزمني شرطًا لأي تحليل تعلم مسؤول لا يختزل الطالب في رقم واحد
وخلاصة القول إن انخراط الطلاب في التعلم عبر الويب ليس حالة ثابتة بل مسار متحرك يتخذ أنماطًا متميزة تتبدل عبر الأسابيع، وإن رصد هذه الأنماط وانتقالاتها بمنهج طولي مؤصل نظريًا يحول تحليلات التعلم من لقطات ساكنة إلى فهم دينامي يصلح أساسًا لدعم مخصص وتدخلات أبكر وأدق
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








