يمثل التعامل مع العنف الأسري أحد أبرز اختبارات أنظمة الشرطة في دول جزر المحيط الهادئ، حيث تتقاطع القوانين الرسمية مع الأعراف التقليدية والمؤسسات الدينية في تسوية النزاعات الأسرية وحماية الضحايا، وتفحص هذه الدراسة، في ضوء إطاري الشرطة التعددية وشرطة الجنوب العالمي، ما يفعله ضباط الشرطة فعليًا عند التعامل مع حالات العنف الأسري في فيجي، وكيف تتوازن في ممارساتهم متطلبات القانون الرسمي وضغوط السياق المجتمعي، وتشكل فيجي نموذجًا دالًا لهذا التوتر، إذ تتعايش فيها مؤسسات الدولة الحديثة مع بنى تقليدية قوية كالقرية والكنيسة والقيادات العرفية، ويجد ضابط الشرطة نفسه وسيطًا بين منطقين، منطق القانون المكتوب الذي يجرم العنف الأسري ويأمر بعدم التسامح معه، ومنطق الأعراف التي تفضل إصلاح ذات البين وحفظ تماسك الأسرة، وتعد استجابة الضباط في اللحظة الأولى من البلاغ عاملًا حاسمًا في مصير الحالة كلها ومسارها اللاحق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تصرفات ضباط الشرطة عند التعامل مع بلاغات العنف الأسري في فيجي، واعتمدت على مسح تجريبي شمل 365 ضابط شرطة، ورصدت الدراسة ما يفعله الضباط عند ورود البلاغات إليهم، ومدى وعيهم بسياسة عدم التسامح مطلقًا مع العنف الأسري ومدى تطبيقهم الفعلي لها، والمسارات البديلة التي يلجؤون إليها في تسوية هذه الحالات قبل التصعيد إلى التحقيق والملاحقة القضائية، ويتيح إطار الشرطة التعددية قراءة هذه الممارسات لا بوصفها انحرافًا فرديًا عن الواجب الرسمي فحسب، بل بوصفها نظامًا فعليًا لإنتاج الأمن والنظام تتقاسم فيه جهات متعددة رسمية ومجتمعية الأدوار والمسؤوليات، بينما يذكر إطار شرطة الجنوب العالمي بضرورة تفسير ممارسات الشرطة في دول الجنوب من داخل سياقاتها التاريخية والاجتماعية الخاصة لا بمعايير الشمال وحدها، واعتمدت الدراسة على إجابات الضباط المبلغة ذاتيًا عن ممارساتهم المعتادة في التعامل مع هذه البلاغات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أولًا أن غالبية ضباط الشرطة واعون بسياسة عدم التسامح مطلقًا مع العنف الأسري، وثانيًا أن غالبية الضباط يؤكدون أنهم لا يطبقون هذه السياسة عند التعامل مع حالات العنف الأسري، وثالثًا أن ضباط الشرطة يأخذون حالات العنف الأسري على محمل الجد ولا يهملونها، ورابعًا أن الضباط يشجعون الناس على استخدام الطرق العرفية التقليدية والدينية لتسوية الحالات، ولا يتقدمون إلى مزيد من التحقيق وربما الملاحقة القضائية إلا إذا أصرت الضحية على ذلك، وهو ما يكشف فجوة بين المعرفة بالسياسة الرسمية وممارستها الميدانية، ويكشف هذا التباين الصارخ بين الوعي بالسياسة وعدم تطبيقها عن أولوية عملية يمنحها الضباط لاستقرار الأسرة وتماسك المجتمع المحلي كما يدركونهما، وعن حسابات تتعلق بقبول المجتمع لتدخل الشرطة وبمصير الضحية ذاتها بعد البلاغ، وهي حسابات لا تلغي جدية تعاملهم مع الحالات بل توجه مسارها نحو التسوية المجتمعية، فالضحية التي لا تصر على الملاحقة تجد قضيتها غالبًا طريقًا إلى التسوية العرفية أو الدينية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تبين دلالات النتائج من الناحية النظرية أن الضباط يمارسون أسلوب شرطة تعدديًا في حل العنف الأسري، يمزج بين القانون الرسمي والأعراف والمرجعيات الدينية في منظومة واحدة للتسوية، وتسهم الدراسة إسهامًا تجريبيًا ونظريًا في الأدبيات المتعلقة بالشرطة التعددية للعنف الأسري في دول جزر المحيط الهادئ، وتفتح نقاشًا مهمًا حول التوازن الدقيق بين حماية الضحايا وضمان حقوقهن، واحترام الأطر المجتمعية المحلية التي تنظم تسوية المنازعات الأسرية في هذه المجتمعات، وتدعو هذه النتائج صناع السياسات الأمنية والاجتماعية إلى تطوير بروتوكولات تعامل مع العنف الأسري تراعي حماية الضحية وسلامتها أولًا مع الاستفادة المنضبطة من آليات التسوية المجتمعية، وإلى برامج تدريب وتأهيل للضباط تعالج الفجوة القائمة بين معرفة السياسة الرسمية وتطبيقها الميداني، بمشاركة القيادات الدينية والعرفية ذات التأثير الفعلي في قبول الأهالي للحلول المقترحة واستدامتها
وخلاصة القول إن ممارسة الشرطة في فيجي تجاه العنف الأسري تقع عمليًا بين نص السياسة الرسمية القائم على عدم التسامح وواقع التعددية المجتمعية الذي يمنح الأعراف والدين دورًا في التسوية، وإن فهم هذا الواقع فهمًا دقيقًا شرط لأي إصلاح تشريعي أو تدريبي يستهدف حماية الضحايا دون قطيعة مع البنى الاجتماعية التي يعيش الناس في ظلها، كما أنها تذكر بأن إصلاح استجابات العدالة الجنائية في مجتمعات الجنوب العالمي يمر عبر فهم الممارسات القائمة واحترام تعقيدها الاجتماعي، لا عبر إنكارها أو استبدالها بنماذج مستوردة جاهزة قد لا تجد طريقها إلى الواقع المعيش للناس
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








