يحتل الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة مكانة متنامية في تقويم الشركات المعاصرة، إذ بات المستثمرون وأصحاب المصلحة ينظرون إليه بوصفه مؤشرًا على جودة الإدارة واستدامة الأعمال، وفي المقابل يثير التجنب الضريبي جدلًا واسعًا حول مدى توافقه مع مسؤولية الشركات الاجتماعية، إذ يراه بعضهم ممارسة مشروعة لخفض الأعباء ويراه آخرون سلوكًا يتعارض مع روح المسؤولية، وبين هذين الموقفين ظلت العلاقة التجريبية بين أبعاد الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة واستراتيجيات التجنب الضريبي موضع نقاش لم يحسم، ولا سيما مع احتمال اختلاف هذه العلاقة بحسب جودة حوكمة الشركة ذاتها، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتفحص كيف يرتبط كل بعد من أبعاد الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة بالتجنب الضريبي، مع التمييز بين الشركات جيدة الحوكمة والشركات ضعيفة الحوكمة، ويزداد الجدل حدة في الأسواق الناشئة حيث تتسارع متطلبات الإفصاح عن الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة وتتشدد الرقابة الضريبية في آن واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل العلاقة بين أبعاد الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة الثلاثة، وهي البعد البيئي والبعد الاجتماعي وبعد الحوكمة، وبين التجنب الضريبي لدى الشركات، وفحص ما إذا كانت هذه العلاقة تختلف بين الشركات جيدة الحوكمة والشركات ضعيفة الحوكمة، واعتمدت الدراسة على بيانات الشركات المدرجة بأسهم الفئة الأولى في بورصتي شنغهاي وشنتشن في الصين خلال الفترة من عام ٢٠١٦ إلى عام ٢٠٢٠، ووظفت ثلاث منهجيات لوحية لتحليل البيانات هي نموذج المربعات الصغرى العادية التجميعي ونموذج الآثار العشوائية ونموذج الآثار الثابتة، بما يتيح التحقق من متانة النتائج عبر أساليب تقدير متعددة، وعومل التجنب الضريبي بوصفه متغيرًا تابعًا ترتبط به أبعاد الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة بوصفها متغيرات مستقلة، ويميز هذا التصميم بين مستويين من جودة الحوكمة داخل العينة ذاتها، ما يسمح بعزل أثر الحوكمة عن أثر الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة نفسه، كما تغطي سنوات الدراسة خمس دورات إفصاح سنوية متعاقبة تتيح رصد استقرار العلاقة عبر الزمن
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أبعاد الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة ليست متساوية في ارتباطها بالتجنب الضريبي، وأن العلاقة بين هذا الأداء والتجنب الضريبي تختلف بين الشركات جيدة الحوكمة والشركات ضعيفة الحوكمة، ففي الشركات جيدة الحوكمة ارتبط البعدان الاجتماعي والحوكمة ارتباطًا إيجابيًا بالتجنب الضريبي، في حين لم يرتبط البعد البيئي به، أما في الشركات ضعيفة الحوكمة فلم يرتبط أي من الأبعاد الثلاثة بالتجنب الضريبي، وتشير هذه النتائج في مجملها إلى أن الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة والتجنب الضريبي متوافقان أكثر من كونهما متعارضين، وأن الحوكمة المؤسسية الجيدة تؤدي دورًا حاسمًا في تمكين التجنب الضريبي بوصفه استراتيجية متوافقة مع هذا الأداء، إذ لا يظهر الارتباط إلا حيث تتوافر بنية حوكمة رشيدة، ويعني الارتباط الإيجابي في الشركات جيدة الحوكمة أن الشركات الأعلى أداء اجتماعيًا وحوكمة كانت أكثر ميلًا إلى ممارسة التجنب الضريبي المنظم، بينما غاب هذا النمط تمامًا حيث ضعفت الحوكمة، وهو ما يرجح أن التخطيط الضريبي في تلك الشركات يدار ضمن أطر مؤسسية منضبطة لا بوصفه ممارسة انتهازية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة لأصحاب المصلحة من مديرين ومستثمرين وصناع سياسات، إذ تدعو المديرين إلى النظر إلى التخطيط الضريبي بوصفه جزءًا من استراتيجية شاملة لا تنفصل عن أداء الشركة الاجتماعي وحوكمتها، وتمنح المستثمرين مؤشرًا أدق عند تقويم العلاقة بين التزام الشركات بالمعايير البيئية والاجتماعية وسلوكها الضريبي، وتفيد صناع السياسات في تصميم أطر تنظيمية تأخذ في الحسبان تفاوت الشركات في جودة حوكمتها، كما تسهم الدراسة في حسم جانب من الجدل الدائر حول العلاقة بين الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة والتجنب الضريبي بتقديم أدلة تجريبية من سوق ناشئة كبرى، وتفتح الباب أمام بحوث لاحقة تفحص الآليات التي تربط أبعاد هذا الأداء بالقرارات الضريبية في سياقات مؤسسية مختلفة، وينبه هذا التفاوت صناع السياسات الضريبية إلى أن تقويم السلوك الضريبي للشركات ينبغي أن يقرأ في سياق منظومة حوكمتها وأدائها الاجتماعي كاملة لا بمعزل عنها
وخلاصة القول إن العلاقة بين الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة والتجنب الضريبي ليست علاقة تعارض حتمي، بل هي علاقة مشروطة بجودة حوكمة الشركة، إذ يرتبط البعدان الاجتماعي والحوكمة بالتجنب الضريبي في الشركات جيدة الحوكمة دون سواها، وهو ما يجعل تطوير الحوكمة مدخلًا أساسيًا لفهم السلوك الضريبي للشركات وتقويمه، ويظل اختبار هذه العلاقة في قطاعات ودول أخرى خطوة لازمة قبل تعميمها








