تشهد خدمات الإقامة القائمة على المشاركة نموًا عالميًا متسارعًا مدفوعة بمزاياها المتمثلة في تنوع الخيارات وانخفاض الكلفة ومرونة الحجز، غير أن هذه الخدمات تقترن أيضًا بتكاليف ومخاطر محتملة تتعلق بالجودة والأمان والثقة بين الغرباء، ومن اللافت أن العوامل التي تعيق تبني المستهلكين لهذه الخدمات أو تحد منه لم تحظ ببحث شامل حتى الآن، إذ انصب اهتمام معظم الدراسات على دوافع القبول والتبني، وتناولت هذه الدراسة جانب المقاومة والعوائق، بالاستناد إلى نظرية مقاومة الابتكار، لفهم ما يدفع الأفراد إلى الإحجام عن استخدام أماكن الإقامة التشاركية رغم انتشارها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص تأثير العوائق المختلفة في نية استخدام خدمات الإقامة القائمة على المشاركة، وتوسيع نظرية مقاومة الابتكار بإدخال الخصائص الشخصية للمستهلكين في النموذج، وتحديدًا سمة الابتكارية الشخصية وسمة التوافق، لبيان أثرهما في المقاومة المدركة وفي نية الاستخدام، بما يقدم صورة أشمل لتفاعل خصائص الخدمة مع خصائص الفرد في قرار التبني
وطبقت الدراسة مسحًا على عينة حصصية ضمت أربعمئة وثلاثة وتسعين فردًا ممن يعرفون خدمات الإقامة القائمة على المشاركة وسافروا خلال الأشهر الستة السابقة، فاقتصرت العينة على من يملكون وعيًا فعليًا بالخدمة وخبرة سفر قريبة، واختبرت فرضيات الدراسة باستخدام تحليل المسارات ضمن نمذجة المعادلات البنائية، بما أتاح تقدير الآثار المباشرة للعوائق والخصائص الشخصية في نية الاستخدام وتقدير المقاومة المدركة في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن عددًا من العوائق يؤثر تأثيرًا سلبيًا في نية الأفراد للانخراط في الإقامة القائمة على المشاركة، إذ كلما ازدادت العوائق المدركة أمام المستهلك ضعفت نيته في استخدام الخدمة، غير أن هذا الأثر السلبي لم يشمل جميع العوائق، فقد استُثنيت عوائق الصورة وعوائق الاستخدام من هذا التأثير الضار، فلم تخفض نية الاستخدام بصورة دالة كما فعلت العوائق الأخرى، وهو تمييز دقيق يمنع التعامل مع العوائق كتلة واحدة متجانسة
وبينت النتائج أيضًا أن سمة الابتكارية لدى المستهلكين وسمة التوافق لديهم تؤثران تأثيرًا سلبيًا في العوائق، فالأفراد الأكثر ابتكارًا والأعلى إحساسًا بتوافق الخدمة مع أنماط حياتهم يدركون عوائق أقل أمام التبني، كما تؤثر هاتان السمتان تأثيرًا إيجابيًا في نية استخدام خدمات الإقامة القائمة على المشاركة، فتجعل صاحبها أكثر استعدادًا للتجربة والإقبال على الخدمة رغم ما قد يكتنفها من مخاطر مدركة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
بناء على هذه النتائج، يمكن لمقدمي خدمات الإقامة التشاركية، أفرادًا كانوا أو شركات، وللجهات المحلية المقدمة للخدمات السياحية، تصميم استراتيجيات أكثر فاعلية لجذب المستخدمين، عبر معالجة العوائق المؤثرة فعلًا في النية بدل تبديد الجهود على عوائق لم يثبت أثرها، وعبر رسائل تسويقية تستهدف المستهلكين مرتفعي الابتكارية بوصفهم بوابة مبكرة للانتشار، وتبرز توافق الخدمة مع أنماط السفر المختلفة لخفض المقاومة المدركة لدى المترددين
وتسهم الدراسة نظريًا في توسيع نظرية مقاومة الابتكار بإثبات أن الخصائص الشخصية ليست مجرد متغيرات ضبط، بل عناصر فاعلة تخفف المقاومة وترفع النية في آن معًا، كما تنبه الباحثين والممارسين إلى أن نجاح نماذج الاقتصاد التشاركي لا يتوقف على إبراز المزايا فحسب، بل على فهم علمي دقيق لبنية المقاومة لدى الجمهور المستهدف وتفكيك مكوناتها المؤثرة من غير المؤثرة
ويستحق استثناء عوائق الصورة والاستخدام من التأثير السلبي وقفة تأمل، فعوائق الصورة تتعلق بالانطباعات المسبقة عن الخدمة ومقدميها، وعوائق الاستخدام تتعلق بمدى تعقيد إجراءات الحجز والتعامل مع المنصات، ويبدو أن انتشار الخدمة وتطبيع استخدامها في سوق السفر قلصا حساسية المستهلكين لهذين العائقين، بينما بقيت العوائق المرتبطة بالمخاطرة والقيمة والتقاليد أكثر حضورًا في قراراتهم، وهو تفصيل يوجه جهود المعالجة نحو ما يؤثر فعلًا في سلوك الجمهور، ويجنب مقدمي الخدمات إنفاق الموارد على جبهات لا تحرك قرار المستهلك إلا قليلًا، ويفتح ذلك بابًا أمام بحوث مستقبلية تفحص تفاعل هذه العوائق مع عوامل ثقافية واقتصادية أخرى في أسواق مختلفة، حتى تتكامل الصورة عن بنية المقاومة في اقتصاد المشاركة عبر السياقات المتباينة
وخلاصة القول إن تبني أماكن الإقامة القائمة على المشاركة يتشكل عبر صراع بين عوائق مدركة تخفض النية وسمات شخصية كالابتكارية والتوافق تخفف هذه العوائق وترفع الاستعداد للاستخدام، وأن معالجة العوائق المؤثرة واستهداف المستهلكين الأكثر ابتكارًا يمثلان مدخلين عمليين لنمو هذه الخدمات واستدامتها








