تشكل الظروف الزمانية والمكانية عنصرًا دقيقًا في الترجمة بين اللغتين الصينية والإنجليزية، إذ تختلف اللغتان في مواضع إيراد هذه الظروف داخل الجملة وفي أشكال تحققها، ويواجه المتعلمون المتقدمون تحديات ظاهرة في تحقيق هذه الظروف وموضعتها عند الترجمة في الاتجاهين، ومن هنا فحصت هذه الدراسة كيفية تحقيق 35 طالبًا في السنة الثانية من ماجستير الترجمة التحريرية والشفهية للظروف الزمانية والمكانية وموضعتها في الترجمة من الصينية إلى الإنجليزية ومن الإنجليزية إلى الصينية، مستندة إلى مدونة ترجمات متعلمين مشروحة يدويًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى وصف أنماط تحقيق الظروف الزمانية والمكانية وموضعتها لدى المتعلمين المتقدمين وفحص العوامل المؤثرة فيها، ووفرت مدونة ترجمات المتعلمين بيانات مشروحة يدويًا حول نوع الظرف وشكله وموضعه، ثم استخدمت الدراسة نماذج خطية مختلطة معممة لاختبار ارتباطات التحقيق والموضعة بالشكل والموضع في النص المصدر، وارتباطات الموضعة بالشكل في الترجمة المنتجة
وغطى التحليل اتجاهي الترجمة معًا، فتتبع الظروف الزمانية والمكانية حين تنتقل من الصينية إلى الإنجليزية وبالعكس، وميز في الجمل الصينية بين الجمل القانونية والجمل غير القانونية ذات تراكيب تشتمل على الفعل والمكان والفاعل، بما أتاح رصد أثر اتجاه الترجمة ونوع الظرف وشكله في قرارات المتعلمين اللغوية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج في الترجمة من الصينية إلى الإنجليزية أن الظروف الزمانية كانت أكثر ميلًا إلى الاحتفاظ بنوعها حين تحققت عبارات أو جملًا لا كلمات مفردة، وحين وردت في صدر النص المصدر لا في وسطه، وفي الترجمات المنتجة فضلت الكلمات الزمانية الموضع الأخير من الجملة، بينما فضلت العبارات والجمل الزمانية الموضع السابق للمسند، أما الظروف المكانية فلم يختلف تحقيقها ولا موضعتها اختلافًا دالًا بين الجمل القانونية والجمل غير القانونية ذات تراكيب الفعل والمكان والفاعل
وفي الترجمة من الإنجليزية إلى الصينية وقعت الظروف الزمانية والمكانية كلها التي تحققت بالنوع الظرفي نفسه قبل المسند، وغالبًا ما وُضعت الظروف المكانية الواردة في صدر النصوص الإنجليزية المصدر في صدر الجمل الصينية، بينما وُضعت الواردة في أواخرها في أواسط الجمل في الأغلب، ولم يظهر ارتباط مماثل في موضعة الظروف الزمانية، وقد تباينت خيارات المتعلمين في التحقيق والموضعة باختلاف أنواع الظروف واتجاهات الترجمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج صورة دقيقة عن كيفية تعامل المتعلمين المتقدمين مع عنصر لغوي دقيق عند مفترق لغتين مختلفتي البنية، وتبين أن شكل الظرف وموضعه في النص المصدر عاملان موجهان لقرارات الترجمة لا تفاصيل هامشية، وأن اتجاه الترجمة يغير خريطة الخيارات المتاحة أمام المترجم المتعلم، بما يفيد معلمي الترجمة في توجيه انتباه طلابهم إلى المواضع الحرجة التي تنحرف فيها الترجمات عن أنماط اللغة الهدف
كما تثري الدراسة فهم اكتساب الترجمة بوصفها مهارة قرارية تتفاعل فيها خصائص النص المصدر وخصائص اللغة الهدف وخبرة المتعلم، وتفتح الباب أمام بحوث لاحقة تتبع فئات متعلمين أخرى أو أزواجًا لغوية مختلفة أو أنواعًا ظرفية إضافية، وتربط أنماط الموضعة بجودة الترجمة المقومة، بما يعين على بناء تدريبات ترجمية مستهدفة تعالج الظروف الزمانية والمكانية بوصفها منطقة تعلم ذات أولوية
وتستند قوة هذه الأوصاف إلى طبيعة البيانات المستخدمة، فالمدونة المشروحة يدويًا أتاحت تتبع قرارات المتعلمين ظرفًا ظرفًا وربطها بخصائص النص المصدر والنص الهدف معًا، وهو ما لا تتيحه الأحكام الانطباعية على الترجمات، كما أتاح استخدام النماذج الخطية المختلطة المعممة فصل أثر خصائص البنود اللغوية عن تباين المتعلمين الأفراد، فجاءت النتائج معبرة عن أنماط مستقرة نسبيًا في سلوك المتعلمين الترجمي لا عن فروق عارضة بين أفراد العينة، وهو ما يرفع من قيمة الدراسة مرجعًا وصفيًا عند بناء مواد تعليم الترجمة وتقويم مخرجاتها، كذلك فإن تغطية الدراسة لاتجاهي الترجمة معًا كشفت عدم تماثل بينهما، فما يصدق على الترجمة من الصينية إلى الإنجليزية لا ينعكس آليًا في الاتجاه المعاكس، وهي ملاحظة جوهرية لمناهج إعداد المترجمين
وخلاصة القول إن تحقيق الظروف الزمانية والمكانية وموضعتها في ترجمات المتعلمين المتقدمين بين الصينية والإنجليزية يخضع لتفاعل نوع الظرف وشكله وموضعه في النص المصدر واتجاه الترجمة، وأن وصف هذه الأنماط بدقة يقدم لمعلمي الترجمة وباحثيها قاعدة وصفية رصينة لبناء تدخلات تعليمية أدق في هذا الجانب الدقيق من الكفاية الترجمية








