حظي أثر الترابط الخارجي لمجالس الإدارة في الاحتيال المؤسسي باهتمام واسع في السياق الأمريكي، غير أنّ كيفية عمل هذا الأثر في اقتصادات تتسم بتركّز الملكية كالصين ظلّت غير مستكشفة إلى حدّ كبير، فتركّز الملكية المرتفع لا يفاقم صراعات الوكيل بأصيله فحسب، بل يقود أيضًا إلى تشكّل مجموعات فرعية من المديرين داخل المجلس وإلى انفصال الشبكات الاجتماعية الخارجية للمجلس، ومن هنا تتبنّى هذه الدراسة عدسة شبكية على مستوى المجموعات الفرعية لفهم أثر الشبكة الاجتماعية لمجلس الإدارة في الاحتيال المؤسسي حدوثًا وانكشافًا، في سياق صيني يتسم ببنية ملكية وحوكمة مختلفتين جوهريًا عن السياقات الغربية المدروسة سابقًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل أثر شبكتين متوازيتين من شبكات التشابك بين مجموعتي المديرين الفرعيتين، التابعة والمستقلة، في حدوث الاحتيال المؤسسي وفي اكتشافه، ولتحقيق ذلك استخدمت الدراسة نموذج انحدار بروبت ثنائيًا ذا قابلية ملاحظة جزئية، يميّز إحصائيًا بين وقوع الاحتيال وبين اكتشافه والإعلان عنه بوصفهما عمليتين منفصلتين قد تختلف العوامل المؤثرة في كل منهما، وطبّقته على ألف وخمسمئة وثلاثين شركة صينية مدرجة في البورصة توافرت عنها بيانات إعلانات المخالفات المؤسسية خلال الفترة من عام ألفين وثلاثة إلى عام ألفين وثلاثة عشر، مع قياس مركزية كل مجموعة فرعية في شبكة التشابك التي تربط مديريها بمجالس شركات أخرى عبر العضويات المشتركة
وينبع تعقيد الظاهرة المدروسة من طبيعة الحوكمة في بيئات الملكية المركّزة، فحين تتركز الملكية في أيدي مساهمين كبار تنشأ صراعات من نوع الوكيل مع الوكيل بين المساهمين المسيطرين والأقلية، وتنقسم مجالس الإدارة تبعًا لذلك إلى مجموعات فرعية، أبرزها المديرون التابعون المرتبطون بالمساهمين المسيطرين والمديرون المستقلون المفترض استقلالهم عنهم، وتتباين الشبكات الخارجية لكل مجموعة وحوافزها الرقابية، وهو ما يجعل تحليل المجلس بوصفه كتلة واحدة متجانسة قاصرًا عن التقاط هذه الديناميات، ويبرر العدسة الشبكية على مستوى المجموعات الفرعية التي تتبناها الدراسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج التجريبية أنّ المركزية المرتفعة في شبكة تشابك مجموعة المديرين التابعين الفرعية تسهم في ردع الاحتيال المؤسسي، إذ ارتبطت بانخفاض احتمالات وقوعه، وأنّ المركزية المرتفعة في شبكة تشابك مجموعة المديرين المستقلين الفرعية تسهّل ردع الاحتيال واكتشافه معًا، بما يشير إلى أنّ اتساع الروابط الخارجية للمديرين المستقلين يمنحهم موارد معلوماتية وسمعية تحفّزهم على المنع والرقابة الفعّالة في آن واحد، وتكشف هذه النتائج أنّ أثر الشبكات الاجتماعية لمجلس الإدارة ليس أثرًا واحدًا متجانسًا، بل يتوزع بين مجموعاته الفرعية تبعًا لمواقع أعضائها وحوافزهم، وأنّ التمييز بين الردع والاكتشاف ضروري لفهم الصورة الكاملة، فقد يحسّن عامل ما الانكشاف دون أن يغيّر الوقوع أو العكس
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدّم الدراسة إسهامًا في بحوث حوكمة الشركات بإظهارها أثر الشبكات الاجتماعية في الاحتيال المؤسسي من منظور المجموعات الفرعية في السياق الصيني، كما أنّ صياغة شبكتي تشابك متوازيتين لمجموعتين فرعيتين من المديرين تقدّم إطارًا تحليليًا جديدًا لبحوث التشابك الإداري المستقبلية في الحالات التي يخضع فيها المجلس لتقسيم بنيوي، وعلى الصعيد التطبيقي تنبّه النتائج الجهات التنظيمية والمساهمين إلى قيمة الروابط الخارجية للمديرين، ولا سيما المستقلين منهم، بوصفها قناة معلومات ورقابة يمكن توظيفها في تصميم مجالس الإدارة وسياسات الإفصاح وإنفاذ قواعد الحوكمة الرشيدة
وعلى مستوى الممارسة الرقابية، تمنح النتائج الجهات المشرفة على الأسواق حجة لتعزيز حضور المديرين المستقلين وروابطهم المهنية الخارجية عند تشكيل المجالس، إذ يبدو أنّ هذه الروابط لا توسّع خبرة المدير المستقل فحسب، بل ترفع كلفة تورّطه في التستر على المخالفات لما يترتب على سمعته الممتدة عبر مجالس متعددة، كما تفيد النتائج المستثمرين في قراءة البنية الشبكية للمجلس مؤشرًا مبكرًا على جودة الحوكمة ومخاطر الاحتيال، وتدعو الباحثين إلى توسيع هذا المنظور الشبكي الفرعي إلى سياقات ملكية مركّزة أخرى خارج الصين لاختبار عموميته
وتعزز هذه النتائج في المحصلة مكانة التحليل الشبكي أداة لفهم الحوكمة المؤسسية لا مجرد وصف للعلاقات الاجتماعية بين الشركات ومجالس إداراتها في الأسواق الصاعدة عمومًا
وخلاصة القول إنّ مركزية شبكات تشابك المديرين في الصين تردع الاحتيال المؤسسي، وتضيف شبكة المديرين المستقلين إلى الردع قدرة على الاكتشاف، بما يجعل البنية الشبكية الداخلية لمجلس الإدارة عامل حوكمة فعليًا ينبغي أخذه في الحسبان عند تقويم مخاطر الاحتيال
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








