أحدث تطور الذكاء الاصطناعي تأثيرًا عميقًا في كيفية بحث المستهلكين عن المعلومات، إذ أصبحت محركات البحث المعززة بالذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة على منصات التسوق الإلكتروني قنوات يومية للحصول على معلومات المنتجات والأسعار والبدائل، غير أن النماذج النظرية الشاملة التي تفسر سلوك البحث عن المعلومات بهذه الأدوات ما تزال محدودة، وتأتي هذه الدراسة لسد هذه الفجوة ببناء نموذج نظري مؤسس على نظريات الدافعية النفسية ومعالجة المعلومات واقتصاديات المعلومات، يحدد العوامل الرئيسة المؤثرة في سلوك البحث لدى المستهلكين عند استخدام محركات الذكاء الاصطناعي، ويقدم فهمًا أكثر شمولًا لسلوك المستهلك في هذا السياق الجديد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج نظري لسلوك المستهلكين في البحث عن المعلومات المعزز بالذكاء الاصطناعي واختباره تجريبيًا، انطلاقًا من نظريات الدافعية النفسية ومعالجة المعلومات واقتصاديات المعلومات، وقد تناول النموذج متغيرات تشمل دافعية البحث وقدرة البحث المدركة وتكاليف البحث المدركة ومنافع البحث المدركة، وعلاقاتها بكثافة البحث وسلوكه، وطبقت الدراسة الاستبانة على مستهلكين يستخدمون روبوتات الدردشة على منصات التسوق عبر الإنترنت، فحصلت على 512 استجابة صحيحة حللتها لاختبار المسارات المباشرة وغير المباشرة بين متغيرات النموذج، ولفحص الدور الوسيط الذي قد تؤديه دافعية البحث بين بقية المتغيرات وكثافة البحث
ويستند النموذج المقترح إلى قراءة متكاملة لثلاث نظريات، فمن الدافعية النفسية يستمد فكرة أن البحث سلوك موجه بهدف يختلف الأفراد في قوة اندفاعهم نحوه، ومن معالجة المعلومات يستمد تصور المستهلك معالجًا نشطًا يوازن بين ما يبذله من جهد ذهني وما يحصله من وضوح، ومن اقتصاديات المعلومات يستمد حساب التكاليف والمنافع الذي يحكم قرار الاستمرار في البحث أو التوقف عنه، وبهذا التأسيس الثلاثي يتجاوز النموذج حدود النماذج التقنية الضيقة، ويفسر البحث المعزز بالذكاء الاصطناعي سلوكًا إنسانيًا مركبًا لا مجرد تفاعل مع واجهة رقمية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن دافعية البحث لم تكن أقوى العوامل تأثيرًا في سلوك البحث فحسب، بل أدت أيضًا دور المتغير الوسيط بين العوامل الأخرى وكثافة البحث، وأن قدرة البحث المدركة أثرت في سلوك البحث تأثيرًا مباشرًا، كما سجلت أكبر تأثير غير مباشر فيه، وأن متغيرات أخرى مثل تكاليف البحث المدركة ومنافع البحث المدركة أثرت في سلوك البحث تأثيرات غير مباشرة تمر عبر دافعية المستهلك وقدرته المدركة، بما يرسم صورة لعملية بحث متسلسلة تتحول فيها التكاليف والمنافع المتوقعة إلى دافعية، ثم تتحول الدافعية بدورها إلى سلوك بحث فعلي بكثافات متفاوتة
وتوضح خريطة التأثيرات المباشرة وغير المباشرة أن سلوك البحث لا يتحرك بخط واحد بسيط، فبعض العوامل يعمل وجهًا لوجه في كثافة البحث، بينما يعمل بعضها الآخر من خلف ستار الدافعية والقدرة المدركة، ولذلك قد تفشل محاولات التأثير في سلوك المستهلك إذا عالجت التكاليف والمنافع وحدها دون أن تنجح في إشعال دافعيته أو رفع شعوره بالقدرة على البحث الجيد، وهذه الصورة المتسلسلة تفسر أيضًا تفاوت المستهلكين أمام أدوات البحث ذاتها، فالأداة الواحدة تنتج سلوكيات بحث مختلفة باختلاف ما يحمله كل مستخدم من دافعية وقدرة وتقدير للتكاليف والمنافع
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي الدراسة على رؤى عملية للشركات ومطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي، ففهم العوامل المحركة لسلوك البحث المعزز بالذكاء الاصطناعي يعين على تصميم أنظمة بحث أكثر فاعلية تجعل الوصول إلى المعلومات أسهل وترفع قدرة المستخدم المدركة على البحث، وعلى بناء استراتيجيات تسويقية تستثير دافعية البحث لدى المستهلكين وتخفض تكاليفه المدركة من وقت وجهد، كما تثري الدراسة أدبيات سلوك المستهلك بنموذج نظري متكامل الأبعاد النفسية والمعرفية والاقتصادية، قابل للاختبار في سياقات منصات وتقنيات ذكاء اصطناعي أخرى، بما يعمق فهم كيفية اتخاذ المستهلك قراراته في بيئات رقمية متجددة
كما يستدعي اختلاف قوة التأثير بين العوامل إعادة نظر في افتراض أن وفرة المعلومات تختصر سلوك البحث تلقائيًا، فالمستهلك قد يمتلك أدوات بحث قوية ويظل بحثه سطحيًا إذا ضعفت دافعيته أو اهتز شعوره بقدرته، وهو فارق ينبغي أن تضعه منصات التسوق ومطورو المحركات في حساباتهم عند تصميم تجربة البحث للمستخدمين
وخلاصة القول إن بحث المستهلك عن المعلومات بأدوات الذكاء الاصطناعي لا تحركه وفرة المعلومات وحدها، بل دافعية داخلية تقف في قلب العملية وتتوسط أثر التكاليف والمنافع والقدرة المدركة، ومن ثم فإن تصميم تجارب بحث ناجحة ينبغي أن يخاطب دافعية المستخدم وقدرته قبل أن يخاطب خوارزميات المنصة نفسها








