يحتل الاستخدام الفعال للغة الأم مكانة مؤثرة في حياة الفرد، وتبلغ أهميته ذروتها في تعليم اللغة الأم خلال مراحل التعليم المدرسي من الروضة إلى الصف الثاني عشر، إذ يتعلم الطلاب في هذه الفترة استخدام لغتهم بفاعلية متدرجة، وهو تعلم وثيق الصلة بتنمية الإبداع لديهم، ومن هنا يغدو إبراز الإبداع في تعليم اللغة الأم مجالًا حاسمًا يستحق الفحص المنهجي، وتأتي هذه الدراسة لتجمع ما تراكم من بحوث حول العلاقة بين تعليم اللغة الأم والإبداع في هذه المراحل، وتحلله تحليلًا منهجيًا يستخلص صورة شاملة لاتجاهاته وموضوعاته وجودته المنهجية، ويحدد مواطن القصور التي يمكن أن توجه البحث المستقبلي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل المقالات التي تناولت الإبداع في تعليم اللغة الأم في مراحل التعليم المدرسي تحليلًا منهجيًا، وقد جُمعت البيانات بالبحث في قواعد شبكة العلوم وسكوبس وإبسكو ومركز معلومات موارد التعليم وفق معايير محددة، فاستقر التحليل على ثماني عشرة مقالة، فحصت الدراسة مناهجها وأغراضها وأدوات جمع البيانات فيها، وقوّمت جودتها المنهجية بدرجات مقدرة لكل دراسة، ثم صنفت موضوعاتها الرئيسة، بما يتيح رسم خريطة للبحث في هذا المجال عبر مؤشرات قابلة للمقارنة بين الدراسات النوعية والكمية، وبين الموضوعات التي حظيت بالاهتمام وتلك التي بقيت على هامشه
ويستمد التركيز على مراحل التعليم المدرسي مشروعيته من أن هذه السنوات هي التي تتشكل فيها علاقة الطالب بلغته الأم وبقدرته على التعبير الإبداعي بها، فإذا أحسن تعليم اللغة في هذه المرحلة بناء الكتابة والتحدث والقراءة بوصفها أنشطة خلاقة، رافق ذلك الطالب في دراسته الجامعية وحياته المهنية لاحقًا، أما إذا اختزل التعليم في القواعد والتلقين ضعف معه البعد الإبداعي مهما تقدمت المراحل، ولهذا كان من المهم أن تراجع الدراسة البحث المتراكم لتحديد الموضوعات التي تناولها فعلًا، والمناهج التي غلبت عليه، والمواضع التي ما تزال شاغرة تنتظر البحث الجاد فيها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الدراسات المشمولة أُجريت بمناهج مختلفة ولأغراض متباينة، وأن تقويم جودتها المنهجية بين أن متوسط درجات الدراسات النوعية أدنى من متوسط درجات الدراسات الكمية، وأن أغلب الدراسات استخدمت أدوات متعددة لجمع البيانات، وتوزعت المقالات على ثمانية موضوعات هي مهارات الكتابة ومهارات التحدث وأساليب التدريس والفن والشعر والثقافات المتعددة والتكنولوجيا ومهارات القراءة، وتؤكد النتائج المتصلة بهذه الموضوعات تعقيد مهمة دعم إبداع الطلاب وتنمية مهاراتهم اللغوية، كما أظهرت الدراسات قصورًا واضحًا في التركيز على عمليات التدريس والمداخل المتمركزة حول الطالب
ويثير تفوق الدراسات الكمية في درجات الجودة المنهجية سؤالًا عن أسباب تراجع نظيرتها النوعية، إذ يفترض أن تكون الدراسات النوعية الأقدر على رصد العمليات الإبداعية الدقيقة داخل الفصول، غير أن ضعف توثيق إجراءاتها أو محدودية أدواتها قد أضعف حضورها العلمي في هذا المجال، ومن جهة أخرى يكشف اتساع الموضوعات الثمانية أن الإبداع في تعليم اللغة الأم لا يسلك قناة واحدة، فهو يظهر في قصيدة يكتبها طالب كما يظهر في نشاط فني أو توظيف تقني، غير أن قلة الدراسات المتمركزة حول الطالب وعمليات التدريس تحرم المعلمين من أدلة عملية يحتاجونها بشدة في فصولهم الدراسية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه المراجعة المنهجية إرشادًا قيمًا للباحثين والمعلمين ومطوري مناهج اللغة الأم، إذ تدعو الدراسات المستقبلية إلى الاهتمام بعمليات التدريس ذاتها وبمداخل التعلم المتمركزة حول الطالب التي قلّ تناولها رغم مركزيتها في تنمية الإبداع، وإلى رفع الجودة المنهجية للدراسات النوعية في هذا المجال حتى توازي نظيرتها الكمية، كما تنبه معلمي اللغة الأم إلى تنوع القنوات التي يزدهر عبرها الإبداع اللغوي، من الكتابة والتحدث إلى الفن والشعر والتكنولوجيا، بما يستدعي تصميم أنشطة لغوية ثرية تتجاوز التدريب الشكلي إلى التعبير الخلاق الذي يربط اللغة الأم بحياة الطالب ووجدانه
وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات طولية تتبع نمو الإبداع اللغوي لدى الطلاب عبر المراحل، وإلى بحوث تدخلية تختبر برامج تعليمية مصممة لتحفيزه، حتى ينتقل المجال من وصف الواقع الراهن إلى تغييره بأدلة قوية قابلة للتطبيق في الفصول
وخلاصة القول إن البحث في تعليم اللغة الأم والإبداع ما زال موزعًا على موضوعات متعددة بمناهج متفاوتة الجودة، وأنه أحوج ما يكون إلى دراسات تتعمق في عمليات التدريس والتعلم المتمركز حول الطالب، ففي الفصل الدراسي وحده يتحول امتلاك اللغة الأم إلى قدرة إبداعية حية ترافق الفرد في حياته العلمية والعملية








