فرضت جائحة كورونا انتقالًا واسعًا إلى المحاضرات الإلكترونية في التعليم الجامعي، وتنوعت صور هذا التعليم بين المحاضرات المباشرة المتزامنة والمحاضرات المسجلة مسبقًا التي يشاهدها الطالب في الوقت الذي يناسبه، وتباينت مع هذا التنوع تقييمات الطلاب لكل نمط ومدى إسهامه في تعلمهم وتواصلهم مع أساتذتهم وزملائهم، وتأتي هذه الدراسة في هذا السياق لتستكشف كيفية تقييم طلاب الجامعة للمحاضرات المباشرة عبر الإنترنت مقارنة بالمحاضرات المسجلة بالفيديو، مع التركيز بصورة خاصة على سلوكيات الدراسة لدى الطلاب بوصفها عاملًا مؤثرًا في هذه التقييمات، إذ لا يتوقف نجاح المحاضرة الإلكترونية على نمط تقديمها وحده، بل على كيفية تعامل الطالب معها وانخراطه فيها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة تقييمات الطلاب الجامعيين للمحاضرات المباشرة والمحاضرات المسجلة مسبقًا، والكشف عن العوامل المؤثرة في هذه التقييمات وفي مقدمتها سلوكيات الدراسة، وقد اعتمدت الدراسة على مسح عبر الإنترنت لجمع البيانات من طلاب المرحلة الجامعية الأولى، وتناول التقييم أبعادًا شملت كفاءة التعلم والتواصل بين الطالب والأستاذ والتواصل بين الطلاب بعضهم وبعض والأداء الأكاديمي، ثم عولجت البيانات بتحليلات متعددة المتغيرات لفحص علاقة سلوكيات الدراسة بهذه التقييمات، ومنها قدرة الطالب على كبح المشتتات أثناء الاستماع إلى المحاضرات عبر الإنترنت، وسلوكه في تشغيل الكاميرا أثناء المحاضرات المباشرة، بما يتيح فهمًا أدق لكيفية تفاعل الطلاب مع كل نمط من نمطي المحاضرات
ويكتسب هذا التركيز على سلوكيات الدراسة مبرره من طبيعة التعليم الإلكتروني ذاته، ففي المحاضرة التقليدية يضبط حضور الأستاذ والزملاء انتباه الطالب بدرجة ما، أما في البيئة الرقمية فيتحمل الطالب وحده عبء تنظيم انتباهه وبيئته، ومن ثم تصبح سلوكيات مثل مقاومة المشتتات وتشغيل الكاميرا مؤشرات عملية على الانخراط في التعلم، وقد سعت الدراسة إلى ربط هذه السلوكيات بتقييمات الطلاب حتى لا يبقى الحكم على نمطي المحاضرات معلقًا بتفضيلات عامة، بل مؤسسًا على ممارسات واقعية يمكن للجامعات والأساتذة ملاحظتها وتشجيعها لدى طلابهم
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن الطلاب قيّموا المحاضرات المباشرة عبر الإنترنت تقييمًا أعلى من المحاضرات المسجلة مسبقًا في كفاءة التعلم والتواصل بين الطالب والأستاذ والتواصل بين الطلاب، غير أن اتجاهًا معاكسًا ظهر فيما يتصل بالأداء الأكاديمي، وأشار التحليل متعدد المتغيرات إلى أن الطلاب الذين أبلغوا عن مستويات أعلى من كبح المشتتات أثناء الاستماع إلى المحاضرات عبر الإنترنت قيّموا كلا النمطين من المحاضرات تقييمًا أكثر إيجابية بفارق دال، كما مال الطلاب الذين يشغلون كاميراتهم بانتظام أثناء المحاضرات المباشرة إلى تقييم المحاضرات عبر الإنترنت تقييمًا أكثر إيجابية، وهو ما يؤكد أن سلوك الدراسة لدى الطالب عامل حاسم في فاعلية المحاضرات الإلكترونية ونتائجها
وتثير نتيجة الأداء الأكاديمي المعاكسة تأملًا مهمًا، فتفضيل الطلاب للمحاضرات المباشرة في كفاءة التعلم والتواصل لم ينعكس تفوقًا مماثلًا في الأداء، بما يوحي أن المحاضرات المسجلة تمنح مزايا تعلمية من نوع آخر، كإمكان إعادة المشاهدة والتحكم في الإيقاع ومراجعة المواضع الصعبة، وهي مزايا قد تدعم التحصيل وإن قل معها الإحساس بالتواصل، وبذلك لا يكون أحد النمطين بديلًا مطلقًا عن الآخر، بل يقدم كل منهما حزمة مختلفة من المنافع، يحدد سلوك الطالب الدراسي وطريقة انخراطه مقدار ما يجنيه منها في تجربته التعليمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تستخلص الدراسة من هذه النتائج أن تطوير التعليم عبر الإنترنت لا ينبغي أن ينصب على اختيار نمط المحاضرة فحسب، بل على تعزيز انخراط الطلاب النشط في المحاضرات الإلكترونية وتشجيعه، وتنمية مهارات التعلم الذاتي لديهم بما يعينهم على كبح المشتتات وإدارة بيئة تعلمهم، كما تفيد النتائج مصممي المقررات الإلكترونية وأعضاء هيئة التدريس في الموازنة بين مزايا المحاضرات المباشرة في التواصل والتفاعل ومزايا المحاضرات المسجلة في المرونة ودعم الأداء، وفي توظيف ممارسات بسيطة مثل تشغيل الكاميرا لرفع مستوى الحضور الذهني والاجتماعي في المحاضرة المتزامنة
وخلاصة القول إن تفوق المحاضرات المباشرة في أعين الطلاب من حيث كفاءة التعلم والتواصل لا يلغي قيمة المحاضرات المسجلة، فالعامل الأعمق أثرًا هو سلوك الطالب الدراسي نفسه، فكلما ارتفعت قدرته على كبح المشتتات وحضوره النشط تحسنت استفادته من النمطين معًا، وهو ما يجعل تنمية مهارات التعلم الذاتي مدخلًا أساسيًا لرفع جودة التعليم الإلكتروني








