تمثل السنوات الأولى من عمر الطفل مرحلة تأسيسية في بناء مهاراته اللغوية، إذ تتشكل فيها مفرداته وقدرته على فهم ما يسمع، وهي قدرات تقع في صميم استعداده للتعلم المدرسي اللاحق، غير أن الأطفال ذوي الكفاءة اللغوية المحدودة، ولا سيما المنحدرين من بيئات محرومة أكاديميًا، يواجهون خطر الاتساع المبكر للفجوة اللغوية بينهم وبين أقرانهم، ومن هنا تبرز القراءة الحوارية بوصفها مدخلًا تفاعليًا يقوم على إشراك الطفل في حوار حول الكتاب المصور بدلًا من مجرد الاستماع السلبي، وقد راكمت الأدبيات أدلة متزايدة على جدواها، وتأتي هذه الدراسة لتضيف دليلًا تجريبيًا من داخل الفصول الدراسية على أثرها في المفردات وفهم الاستماع لدى أطفال الروضة ذوي الكفاءة اللغوية المحدودة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر القراءة الحوارية المنفذة داخل الفصل الدراسي في مهارات المفردات وفهم الاستماع لدى أطفال الروضة ممن يعرفون بذوي الكفاءة اللغوية المحدودة، وقد شارك في الدراسة 61 طفلًا من أطفال الروضة جرى اختيارهم من فصول دراسية في مدينة أنقرة في تركيا، وطبق تدخل القراءة الحوارية داخل الفصل على مدى 12 أسبوعًا بواقع جلستين أسبوعيًا تستغرق كل منهما ساعتين، وأجريت تقويمات قبلية وبعدية باستخدام اختبار محو الأمية المبكرة التركي لقياس مهارات المفردات وفهم الاستماع لدى الأطفال، ثم حللت الدرجات إحصائيًا للكشف عن الفروق بين القياسين القبلي والبعدي في جميع الأبعاد الفرعية للمهارات المقاسة والتحقق من دلالتها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تحسنًا ملحوظًا في اكتساب المفردات ومهارات فهم الاستماع لدى الأطفال عقب تدخل القراءة الحوارية للكتب، إذ كشفت التحليلات الإحصائية عن فروق دالة بين درجات القياسين القبلي والبعدي في جميع الأبعاد الفرعية المرتبطة بمهارات المفردات وفهم الاستماع، بما يعني أن التحسن لم يقتصر على بعد واحد بل شمل منظومة المهارات اللغوية المقاسة كلها، وتسهم الدراسة بذلك في تنامي الأدبيات التجريبية التي تؤكد أن دمج تدخلات القراءة الحوارية في بيئة الفصل الدراسي يعزز بصورة دالة المفردات وفهم الاستماع لدى الأطفال الصغار من الخلفيات المحرومة أكاديميًا، ويمنحهم دفعة لغوية مبكرة قد تضيق الفجوة بينهم وبين أقرانهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد النتائج الدور الحاسم للقراءة الحوارية المؤسسة على خبرات الحياة الواقعية والتطبيقات العملية داخل الفصل في تعزيز المهارات اللغوية التأسيسية لدى الأطفال بدرجة كبيرة، وتبرز الأهمية العملية لمثل هذه التدخلات المنظمة جيدًا، وتمنح المعلمين ومصممي البرامج رؤى مهمة لتطبيقها في الممارسات التعليمية المستقبلية، إذ يمكن للقراءة الحوارية أن تتحول إلى نشاط صفي منتظم يدعم الأطفال الأقل كفاءة لغوية في مرحلة مبكرة يسهل فيها التدخل وتتعاظم فيها عوائده على المسار التعليمي اللاحق، كما تدعو إلى تدريب معلمات رياض الأطفال على تقنيات الحوار حول الكتاب وإشراك الطفل في إنتاج المعنى أثناء القراءة
وتتميز هذه الدراسة بأن تدخلها نفذ داخل الفصول الدراسية العادية لا في مختبرات معزولة، وبجدول زمني ممتد ومكثف بلغ أربعًا وعشرين جلسة على مدى اثني عشر أسبوعًا، بما يجعل نتائجها أقرب إلى الممارسة الواقعية في رياض الأطفال وأقدر على التعميم عليها، كما أن قياس الأثر بأداة وطنية معتمدة لمحو الأمية المبكرة وشمول التحسن جميع الأبعاد الفرعية المقاسة يمنحان النتائج قوة تفسيرية تتجاوز التحسن الجزئي العابر، وتؤكد التجربة أن الأطفال الأقل كفاءة لغوية ليسوا أقل قابلية للتعلم، بل يحتاجون إلى مداخل تفاعلية تشركهم في إنتاج اللغة بدل تلقيها السلبي، وهو درس يتجاوز القراءة الحوارية إلى تصميم الأنشطة اللغوية المبكرة عمومًا، ويدعو إلى إدماج هذه التقنيات في أدلة المعلم وبرامج إعداد معلمات الطفولة المبكرة وتأهيلهن لممارستها بثقة، ومن الدلالات اللافتة أن التدخل استهدف أطفالًا في بيئة صفية جماعية لا في جلسات فردية خاصة، بما يعني أن أثره لا يشترط موارد استثنائية، بل تنظيمًا صفيًا واعيًا لوقت القراءة وطريقة إدارتها، وهو ما يجعله قابلًا للإدماج في الجدول اليومي لرياض الأطفال، كما يعزز الثقة بأن الاستثمار في التفاعل اللفظي الغني داخل الفصل يمثل أحد أكثر المداخل اقتصادًا وأعمقها أثرًا في بناء الاستعداد اللغوي للمدرسة
وخلاصة القول إن القراءة الحوارية داخل الفصل الدراسي أثبتت في هذه الدراسة فاعليتها في تنمية مفردات أطفال الروضة ذوي الكفاءة اللغوية المحدودة وفهمهم الاستماعي عبر جميع الأبعاد المقاسة، وإن تنظيمها في جلسات منتظمة ممتدة يقدم نموذجًا عمليًا قابلًا للتطبيق في رياض الأطفال، ويدعو إلى مزيد من الاهتمام بالتدخلات اللغوية المبكرة بوصفها استثمارًا في العدالة التعليمية منذ البدايات الأولى








