يمتلئ التفاعل الاجتماعي الإنساني بمواقف المساعدة المتبادلة، غير أن مقدم المساعدة ومتلقيها قد لا يفسران الموقف ذاته بالتفسير نفسه، إذ ينظر كل منهما إليه من موقعه ودوره، وفي ظل تقارير حديثة تشير إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة تضاهي الأداء البشري أو تتفوق عليه في مهام الاستدلال الاجتماعي، تطرح هذه الدراسة سؤالًا دقيقًا عما إذا كانت هذه النماذج تستنسخ اللا تماثل البشري بين طرفي المساعدة، أي الفارق بين أحكام مقدم المساعدة وأحكام متلقيها على الموقف الواحد، ولا سيما في تقدير الامتنان الذي يشعر به المتلقي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على إعادة إنتاج الأحكام البشرية المرتبطة بالمنظور في مواقف المساعدة اليومية، واعتمدت تصميمًا تجريبيًا قرأ فيه ثمانية وأربعون طالبًا جامعيًا صينيًا أربعة وعشرين سيناريو مساعدة يوميًا، لكل سيناريو أربع صيغ ظرفية، وذلك من منظور المستفيد أو من منظور المحسن، وقيم المشاركون استعداد المساعد للعون وحاجة المتلقي وصعوبة تقديم المساعدة وامتنان المتلقي، ثم قدمت المواد الصينية ذاتها إلى اثني عشر نموذجًا لغويًا تمثل النموذج الرئيس والنموذج الخفيف لدى ثلاثة مقدمين من دول ناطقة بالإنجليزية وثلاثة مقدمين من الصين، بواقع ثلاثين تشغيلًا مستقلًا لكل نص، وأضيفت حالتان لاحقتان هما تقديم السيناريوهات بالإنجليزية للنماذج الصينية الستة وتصدير التوجيه بهوية مصرح بها للنماذج الاثني عشر كلها، وحللت البيانات بنماذج الخلط البايزية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج انفصالًا واضحًا بين جانبين، ففيما يتصل بما يستدعيه الموقف طابقت النماذج البشر غالبًا أو تفوقت عليهم، إذ بلغ التباين بين حاجة ملحة وحاجة قد قضيت لدى البشر 1.325 نقطة على المقياس، وتراوح لدى النماذج بين 1.159 و1.825 متجاوزًا القيمة البشرية في أحد عشر نموذجًا من اثني عشر، أما فيما يتصل بالجانب الذي يحكم منه على الموقف فقد قصرت معظم النماذج، فقد قدر البشر الامتنان أعلى بمقدار 0.756 نقطة من جانب المستفيد، في حين تراوحت قيم النماذج بين 0.047 و0.727 وظلت أحد عشر نموذجًا منها دون التقدير البشري بفارق ذي مصداقية، ولم يطابق البشر في الامتنان سوى نموذج دوباو 2.1 برو الذي ابتعد عنهم في الاستعداد والصعوبة، ورتب مستوى القدرة النماذج الاثني عشر وإن لم يستبعد التباين قيمة الصفر، بينما لم ترتبها دولة المقدم إطلاقًا، ورفع تقديم السيناريوهات بالإنجليزية الأثر لدى خمسة من النماذج الصينية الستة دون بلوغ التقدير البشري، كما رفع التصريح بالهوية الأثر لدى عشرة نماذج بمقدار 0.10 في المتوسط مقابل عجز متوسط قدره 0.44، وظلت أحد عشر نموذجًا دون التقدير البشري
ويستحق هذا التفاوت وقفة خاصة، فالأحكام المتعلقة بما يستدعيه الموقف من حاجة واستعداد وصعوبة أحكام وصفية تقرأ من معطيات السيناريو مباشرة، أما حكم الامتنان فحكم منظور بامتياز يتغير بتغير موقع الحاكم من فعل المساعدة، فالمستفيد يقدر العون من داخله بينما ينظر المحسن إليه من خارجه، وقد أظهر البشر حساسية عالية لهذا الانتقال بين الموقعين، بينما بقيت النماذج أقرب إلى قراءة محايدة ثابتة لا تعيد تشكيل الحكم مع تبدل الدور
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير النتائج إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة المدروسة تقرأ ما يستدعيه الموقف الاجتماعي بمستوى يضاهي القراء البشريين، لكنها تظهر حساسية أقل بكثير تجاه المنظور، أي تجاه اللا تماثل الذي يميز تقييم المحسنين والمستفيدين لفعل المساعدة ذاته، ويحمل ذلك دلالات مهمة لمطوري أنظمة الذكاء الاصطناعي التفاعلية ولمستخدميها في مجالات الدعم الاجتماعي والتعليم والخدمة، إذ قد تقدم هذه الأنظمة أحكامًا اجتماعية دقيقة في وصف المواقف لكنها تفتقر إلى إدراك اختلاف زوايا النظر بين الأطراف، كما تفتح الدراسة آفاقًا لبحوث لاحقة في تدريب النماذج على الحساسية المنظورية وتحسين تمثيلها للأدوار الاجتماعية المتبادلة
كما تبين الدراسة أن الفجوة لا تعالج بسهولة عبر تعديلات سطحية في صياغة التوجيهات، فقد جربت الدراسة مسارين شائعين هما تغيير لغة العرض والتصريح بالهوية، فكان أثرهما جزئيًا لم يبلغ بالنماذج مستوى الإنسان، مما يوحي بأن الحساسية المنظورية ليست معلومة تضبط بالتوجيه بل قدرة إدراكية اجتماعية تتطلب تمثيلًا أعمق للأدوار والمشاعر المتبادلة، وهو ما ينبغي أن تضعه فرق تطوير النماذج في حسابها عند تقويم جاهزية هذه الأنظمة للمهام الاجتماعية الحساسة كالإرشاد والدعم والتفاوض والتعليم
وخلاصة القول إن النماذج اللغوية الكبيرة تنجح في قراءة مقتضيات مواقف المساعدة نجاحًا يقارب البشر، لكنها تعجز غالبًا عن استنساخ أحكام الامتنان المرتبطة بالمنظور، فتبقى دون الحساسية البشرية للفارق بين عين المحسن وعين المستفيد، ولا تسد هذه الفجوة كليًا لا لغة العرض ولا التصريح بالهوية








