تشهد العلاقة بين تجار التجزئة والموردين تحولات متسارعة مع تطور قنوات البيع المباشر، إذ بات بوسع الموردين تجاوز الوسطاء والوصول إلى المستهلكين مباشرة فيما يعرف بتعدي الموردين على قنوات التجزئة، وفي المقابل يستثمر تجار التجزئة في الخدمات لتعزيز قدرتهم التنافسية ومواجهة هذا التعدي، ومع تطور العلاقة بين المؤسسات والمستهلكين برز مفهوم الإنشاء المشترك للقيمة بوصفه صيغة تعاونية يشارك فيها المستهلك في إنتاج القيمة ويمنح المؤسسات مزايا تنافسية كبيرة، ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى فهم التفاعل بين الإنشاء المشترك للقيمة وتعدي الموردين في سلاسل الإمداد ثنائية القناة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية تفاعل الإنشاء المشترك للقيمة مع تعدي الموردين على قنوات التجزئة، وبيان آثار كل منهما في مصالح تاجر التجزئة والمصنع والمستهلكين وسلسلة الإمداد ككل، واعتمدت الدراسة بناء نموذج تحليلي مستند إلى نظرية الألعاب يحاكي قرارات الأطراف المختلفة في سلسلة إمداد ثنائية القناة تجمع بين قناة تجزئة تقليدية وقناة مباشرة للمورد، وحللت الدراسة توازنات النموذج في سيناريوهات متعددة تقارن بين غياب الإنشاء المشترك وحضوره، وبين مستويات مختلفة من فاعلية بيئة الإنشاء المشترك وقوة القناة المباشرة، بما يسمح باستخلاص شروط دقيقة لتحقق المنفعة المتبادلة أو تعارض المصالح بين أطراف السلسلة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الإنشاء المشترك للقيمة يعود بالنفع على الطرفين المنفذين له معًا، وأنه يمثل استراتيجية فعالة بيد تاجر التجزئة لمقاومة تعدي الموردين واستعادة جزء من قوته السوقية، وبينت الدراسة أن تعدي الموردين يحفز المستهلكين على استثمار جهد أكبر في الإنشاء المشترك، في حين قد يخفض تاجر التجزئة استثماره الخاص إذا حققت القناة المباشرة مزايا تنافسية، كما تبين أن تعدي الموردين في ظل الإنشاء المشترك يمكن أن ينفع المصنع والمستهلكين وسلسلة الإمداد بأكملها، غير أن تحسين باريتو الذي ينتفع فيه الجميع دون أن يتضرر أحد لا يتحقق إلا عندما تكون بيئة الإنشاء المشترك فعالة بما يكفي، فإذا ضعفت هذه البيئة تحولت المكاسب إلى طرف على حساب آخر
وتكشف هذه النتائج عن دينامية دقيقة في سلوك الأطراف، فالمستهلك ليس طرفًا سلبيًا في السلسلة بل شريك يستثمر جهده في الإنشاء المشترك حين يجد قنوات مباشرة تحفزه على المشاركة، بينما يعيد تاجر التجزئة حسابات استثماره في الخدمات بحسب موقع القناة المباشرة وقوتها، ومن ثم فإن أثر التعدي لا يقاس بانتقال المبيعات من قناة إلى أخرى فحسب، بل بما يحدثه من إعادة توزيع للجهود والاستثمارات بين أطراف السلسلة كلها، وهو ما يجعل قراءة نتائج النموذج مشروطة دائمًا بفاعلية بيئة الإنشاء المشترك التي تحدد ما إذا كان التعدي لعبة صفرية أم فرصة لنمو جماعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامًا نظريًا بتوفير إطار عام لتحليل الإنشاء المشترك للقيمة في سلاسل الإمداد ثنائية القناة، وتوسع البحث في موضوعات الإنشاء المشترك للقيمة وتعدي الموردين والاستثمار في القنوات المزدوجة، وعلى الصعيد التطبيقي تنبه النتائج مديري تجارة التجزئة إلى أن الاستثمار في الخدمات وإشراك المستهلك في إنشاء القيمة ليس تكلفة إضافية بل أداة دفاعية فعالة أمام القنوات المباشرة، كما تنبه الموردين إلى أن نجاح قنواتهم المباشرة يرتبط بجودة بيئة الإنشاء المشترك، وتدعو الطرفين إلى تصميم آليات تعاون تجعل المنفعة مشتركة ومستدامة بدل الصراع الصفري على المستهلك وولائه
كما تبرز الدراسة أهمية أن ينظر كل طرف إلى قرارات الطرف الآخر بوصفها جزءًا من معادلة مشتركة، فقرار المورد فتح قناة مباشرة يحرك استثمارات التجزئة والمستهلكين معًا، وقرار تاجر التجزئة الاستثمار في الخدمات يغير حسابات المورد ذاته، وبهذا المعنى يقدم النموذج خريطة تفكير استراتيجي تساعد المؤسسات على توقع ردود الأفعال المتبادلة قبل اتخاذ قرارات القنوات والخدمات، وتجنب خطوات قد تبدو رابحة في الأجل القصير لكنها تضعف موقعها التفاوضي وقيمتها لدى المستهلك في الأجل الطويل
وخلاصة القول إن الإنشاء المشترك للقيمة وتعدي الموردين ظاهرتان متفاعلتان تعيدان تشكيل سلاسل الإمداد ثنائية القناة، فالأول يقوي موقف تاجر التجزئة وينفع طرفيه، والثاني قد يفيد المصنع والمستهلكين والسلسلة كلها متى توافرت بيئة إنشاء مشترك فعالة تحقق الانتفاع الجماعي المتوازن








