سلطت بداية جائحة كورونا الضوء على حاجة المعلمين إلى ممارسات تعليمية تراعي الصدمات التي يعايشها الطلاب وتنعكس في سلوكهم وتعلمهم داخل الصف، ومع تعذر التدريب الحضوري في تلك المرحلة برزت الدورات المفتوحة عبر الإنترنت وسيلة متاحة لتطوير المعلمين مهنيًا على نطاق واسع، غير أن جدوى هذه الدورات في موضوع حساس كالرعاية المراعية للصدمات وتأثيرها الفعلي في الممارسات الصفية يظلان بحاجة إلى تقويم دقيق يجمع بين إمكانية الوصول إليها وما تحدثه من تغيير
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم جدوى دورة مفتوحة عبر الإنترنت صممت لتعزيز ممارسات الرعاية المراعية للصدمات لدى المعلمين عند بداية الجائحة وأثرها فيهم، وشارك في الدورة معلمون من مدرستين ابتدائيتين حكوميتين في ولاية كوينزلاند الأسترالية، وقابلت الدراسة 26 معلمًا للتعرف إلى تجربتهم في الدورة وما أحدثته في ممارساتهم، وحللت بيانات المقابلات تحليلًا موضوعيًا استخلص منه العوامل المؤثرة في الجدوى والأثر
وربطت الدراسة نتائجها بإطار تعليمي مراعٍ للصدمات بما يتيح تحويل الخبرات الفردية للمعلمين إلى دلالات منهجية، كما سعت إلى الخروج بتوصيات توجه تصميم الدورات المفتوحة وتقديمها مستقبلًا في سياقات التعليم ما بعد الجائحة، وبخاصة ما يتصل باستمرارية الوصول إلى هذه الدورات ودمج استراتيجياتها في الممارسة الصفية اليومية
وتندرج هذه الدراسة ضمن جهود تقويم التطوير المهني الرقمي الذي فرضته الجائحة بديلًا شبه وحيد عن التدريب الحضوري، فبدل الاكتفاء بمؤشرات إتمام الدورات أو رضا المشتركين عنها، اتجهت الدراسة إلى سؤال الأثر الممارس في الصفوف، مستمعة إلى المعلمين أنفسهم وهم يصفون ما تغير في تعاملهم اليومي مع تلاميذ يعيشون آثار ضغوط استثنائية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهر التحليل الموضوعي أن جدوى الدورة المفتوحة تأثرت بقدرة المشاركين على تجاوز الفجوة الرقمية وتخصيص وقت كافٍ للتعلم في ظل أعباء المرحلة، فكلما توفرت المهارة التقنية والوقت المنظم ازدادت إمكانية إتمام الدورة والاستفادة منها، بينما شكل ضغط الوقت ومتطلبات التعلم الرقمي عائقين رئيسين أمام بعض المعلمين في المدرستين المشاركتين
وانعكس أثر الدورة في تقارير المشاركين عن تبنيهم تقنيات لإدارة الصف تراعي الصدمات وتستجيب بحساسية لحاجات الطلاب المتأثرين بها، بما يعني أن المحتوى التدريبي انتقل من المعرفة النظرية إلى ممارسات صفية ملموسة، وأظهرت هذه الشهادات أن التدريب عبر الإنترنت قادر على إحداث أثر مهني حقيقي حين يتصل بممارسات قابلة للتطبيق المباشر داخل الصف
وتكتسب هذه النتيجة وزنها من أن المعلمين المشاركين يعملون مع تلاميذ في المرحلة الابتدائية، وهي مرحلة تتطلب حساسية عالية تجاه ما يحمله التلاميذ من آثار الضغوط والصدمات إلى الصف، فتبني تقنيات إدارة صف تراعي هذه الآثار يعني انتقال أثر الدورة من مستوى الوعي النظري لدى المعلم إلى مستوى الخبرة اليومية للتلميذ ذاته، وهو انتقال يشكل الاختبار الحقيقي لأي برنامج تطوير مهني
ويؤكد هذا الأثر أن نجاح الدورات المفتوحة لا يقاس بعدد الملتحقين بها فقط، بل بما يتبقى منها في ممارسات المعلم بعد انتهائها، فقد تحول ما تلقاه المعلمون من مفاهيم حول الصدمات وآثارها إلى أساليب ملموسة في إدارة صفوفهم وتعاملهم مع التلاميذ، وهو التحول الذي تبحث عنه برامج التطوير المهني حين تستهدف تغيير الممارسة لا زيادة المعرفة وحدها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتشير النتائج إلى أن استدامة تعليم المعلمين القائم على الدورات المفتوحة في الممارسات المراعية للصدمات تتطلب وصولًا طويل الأمد إلى هذه الدورات، ودمجًا ممنهجًا لاستراتيجياتها في العمل اليومي، ودعمًا مستمرًا لنماذج التعلم المرن الهايفليكس والتعلم المدمج، إذ لا تكفي دورة واحدة محدودة زمنيًا لبناء ممارسة مهنية مستقرة في مجال يتطلب تراكمًا وتجديدًا متواصلين
وتوجه الدراسة أنظار مطوري الدورات المفتوحة إلى أن صعوبات الفجوة الرقمية والوقت ليست تفاصيل لوجستية هامشية، بل عوامل حاسمة في عدالة الاستفادة من التطوير المهني الرقمي ذاته، فالدورات التي لا تراعي تفاوت قدرات المعلمين التقنية وأعباءهم الزمنية قد تعمق الفروق بينهم بدل تقليصها، ولذلك اقترحت الدراسة أن يقترن تصميم الدورات بدعم مستمر ووصول ممتد زمنيًا
وخلاصة القول إن الدورة المفتوحة عبر الإنترنت أثبتت جدواها وأثرها في تعزيز ممارسات المعلمين المراعية للصدمات أثناء بداية الجائحة، متى توفر للمشاركين الوقت والقدرة على تجاوز الفجوة الرقمية، ومن ثم تقدم الدراسة دروسًا عملية لتصميم مستقبلي يراعي استمرارية الوصول والدعم، وتؤكد أن التطوير المهني الرقمي يمكن أن يكون رافدًا أصيلًا لبناء مدارس أكثر حساسية لحاجات طلابها النفسية








