في ظل ضغوط مالية واضطراب رقمي يضرب صناعة الصحافة، أصدرت الهيئة الوطنية للصحافة في مصر قرارات دمج بموجب القانون رقم 179 لسنة 2018 قضت بدمج عناوين مجلات وطنية مختارة داخل مؤسساتها الأم، لتدخل بيئات العمل الصحفي في هذه المؤسسات مرحلة إعادة تشكيل واسعة تمس الخبرات المهنية للصحفيين وسير العمل التحريري وجودة المحتوى كما يدركها العاملون، وهو ما يجعل فهم عواقب هذا الدمج من منظور من يعيشونه يوميًا ضرورة لتقويم التجربة وتطويرها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقصي عواقب دمج المجلات الوطنية المصرية على تجارب الصحفيين المهنية وسير العمل التحريري وجودة المحتوى المدركة، مستندة إلى إعادة هندسة عمليات الأعمال ونظرية التقارب الإعلامي ونظرية التماثل المؤسسي أطرًا مفسرة، ووزعت الدراسة استبانة على 85 صحفيًا في خمس مطبوعات شملت دمجًا ثنائيًا في الأهرام الاقتصادي ولغة العصر، ودمجًا ثلاثيًا في حواء والكواكب وطبيبك الخاص
واتخذت الدراسة اختبارات مربع كاي استراتيجية استدلالية رئيسة مدعومة بارتباطات بيرسون الاستكشافية، وقاست الدمج عبر مؤشر الدمج البنيوي المركب من نوع الدمج وموضع المؤسسة المستوعِبة أو المستوعَبة ومدى التشاور قبل الدمج، بما أتاح ربط درجات الدمج البنيوي بمستويات الرضا والتغير في سير العمل والجودة المدركة والتكيف لدى الصحفيين
وقد أتاح قياس الدمج بمؤشر بنيوي مركب تجاوز الانطباعات العامة إلى تفكيك قرار الدمج إلى عناصره المؤثرة، فنوع الدمج ثنائيًا كان أو ثلاثيًا يحدد حجم الاضطراب التنظيمي، وموضع المؤسسة مستوعِبة أو مستوعَبة يحدد من يتحمل عبء التأقلم الأكبر، ووجود تشاور مسبق أو غيابه يحدد استعداد العاملين النفسي والمهني لاستقبال التغيير
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الرضا عن بيئة العمل لم يرتبط بمؤشر الدمج البنيوي إذ بلغ معامل الارتباط 0.041 عند مستوى دلالة 0.709، في حين ارتبط تغير سير العمل التحريري ارتباطًا قويًا بالمؤشر بمعامل 0.623 وارتبطت الجودة الصحفية المدركة بمعامل 0.741 وكلاهما عند مستوى دلالة أقل من 0.001، وارتبطت جودة القيادة ارتباطًا متوسطًا بالتكيف بمعامل 0.451 عند مستوى دلالة أقل من 0.001
واتسقت التباينات على مستوى المطبوعات إذ تراوحت معاملات الارتباط بين 0.666 و0.779، وأفاد 96.5 في المئة من الصحفيين بعدم وجود أي تشاور مسبق معهم قبل الدمج، وانعكست عدم متماثلة ثابتة بين المؤسسة المستوعِبة والمؤسسة المستوعَبة في جميع أبعاد النواتج، بما يربط نوع الدمج والموضع المؤسسي بالتجارب المهنية في نظام صحفي غير غربي تابع للدولة
ويتضح من هذه النتائج أن الصحفيين لم يقيموا الدمج حزمة واحدة، فقد ميزوا بين أثره في سير العمل والجودة من جهة ورضاهم عن بيئة العمل من جهة أخرى، إذ تغيرت الإجراءات والمهام التحريرية بعمق وارتفع إدراكهم للجودة الصحفية، بينما بقي الرضا عن البيئة العامة غير مرتبط بدرجة الدمج البنيوي، وهو فصل دقيق بين نواتج الدمج يعين على فهم لماذا قد ينجح الدمج تحريريًا ويظل مثقلًا إنسانيًا في الوقت نفسه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتدل هذه النتائج على أن أثر الدمج في المؤسسات الصحفية لا يتحدد بقرار إعادة التنظيم ذاته، بل يتوقف على نوع الدمج وموقع المؤسسة فيه وعلى جودة القيادة التي تدير الانتقال، فحيث غاب التشاور المسبق شبه الكامل تركزت الآثار في تغير سير العمل وإدراك الجودة دون أن تتحسن بيئة العمل، وهو ما يبرز أن إدارة التغيير التشاركية قد تكون الفارق بين دمج مثمر ودمج مثقل بالتحديات
وتحمل التجربة درسًا لإدارات المؤسسات الصحفية الرسمية التي تفكر في خطوات دمج مقبلة، إذ تشير نسبة من لم يتشاور معهم قبل الدمج والبالغة 96.5 في المئة إلى أن إشراك الصحفيين في صياغة قرارات إعادة الهيكلة ليس ترفًا إداريًا، بل عامل يتصل بقدرة العاملين على التكيف وبارتفاع جودة ما ينتجونه، كما أن جودة القيادة ظهرت شريكًا متوسط القوة في تحقيق هذا التكيف
وخلاصة القول إن تجربة دمج المجلات الوطنية المصرية تعيد تشكيل العمل الصحفي بعمق، فتغير سير العمل التحريري وإدراك الجودة بينما يظل الرضا عن بيئة العمل بلا ارتباط بدرجة الدمج البنيوي، ومن ثم فإن نجاح قرارات الدمج المقبلة يستلزم تشاورًا حقيقيًا مع الصحفيين قبل التنفيذ وقيادة قادرة على دعم التكيف، ومراعاة واعية للفروق بين المؤسسات المستوعِبة والمستوعَبة








