ضربت جائحة كورونا قطاع السياحة في العالم كله، وكانت السياحة الساحلية من أشد صوره تضررًا بتوقف حركة السفر وتراجع أعداد الزوار، وتتناول هذه الدراسة آثار الجائحة في السياحة الساحلية في خليج نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، وتهدف إلى تقييم هذه الآثار بعمق واقتراح تدخلات إدارية فعّالة تمكّن القطاع من تعافٍ سريع، مستعينة بمقاربة تشاركية تستوعب وجهات نظر أصحاب المصلحة المحليين المتعددين لفهم شامل للآثار المحلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة مقاربة نمذجة ديناميات النظم بصورة تشاركية، فطبقت عمليات رسم خرائط سببية نوعية لدعم بناء نموذج كمي يمثل منظومة السياحة الساحلية المحلية وتفاعلاتها، وأشركت أصحاب مصلحة متعددين من القطاعات ذات الصلة لاكتساب فهم كلي للآثار المحلية للجائحة، ثم حددت بالتعاون مع هؤلاء الشركاء المحليين تدخلات للتعافي واختبرتها وفق احتياجات السياحة من القصير الأجل إلى الطويل الأجل، مرتبة على مراحل متتابعة هي التعافي ثم الإحياء ثم النمو، بما يراعي اختلاف إيقاع عودة القطاعات الفرعية وعدم تزامنها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة أن آثار الجائحة في السياحة في خليج نيلسون مانديلا كانت دينامية متغيرة عبر الزمن، ورافقتها تحولات في استجابات الحوكمة المحلية وفي سلوك المسافرين على حد سواء، ولوحظ قدر معتبر من عدم اليقين بشأن معدل التعافي في القطاعات المختلفة، إذ لم تتعاف الأنشطة المرتبطة بالسياحة الساحلية بوتيرة واحدة ولا بإيقاع قابل للتنبؤ الدقيق، وأبرزت النتائج أهمية التعاون عبر القطاعات في تيسير اتخاذ القرارات المستنيرة من أجل تعافٍ سياحي مستدام، إذ مكّن إشراك أصحاب المصلحة من اختبار التدخلات المقترحة وترتيبها زمنيًا بما يناسب كل مرحلة من مراحل التعافي والإحياء والنمو
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشجع الدراسة على تبني المقاربات التشاركية متعددة أصحاب المصلحة في استكشاف آثار العوامل الخارجية في قطاع السياحة، كتلك الناشئة عن الصحة العامة والمناخ والتغير الاجتماعي والسياسي، إذ تتيح هذه المقاربة الشاملة والدينامية تطوير استراتيجيات إدارية مستجيبة وقابلة للتكيف مع الظروف المعقدة والمتطورة التي قد تؤثر في صناعة السياحة، وتفيد صانعي السياسات المحلية ومديري الوجهات في بناء خطط تعافٍ مرحلية لا تفترض عودة متزامنة للقطاعات كلها، بل تتابع المؤشرات وتعدِّل التدخلات بحسب تطور الوضع
واعتمد بناء النموذج على منطق ديناميات النظم الذي يتعامل مع السياحة بوصفها منظومة مترابطة الحلقات لا قطاعات منعزلة، فبدأ العمل برسم خرائط سببية نوعية بالتشاور مع أصحاب المصلحة لتمثيل العلاقات بين أعداد الزوار والدخل السياحي والتوظيف والقيود التنظيمية وتصورات السلامة، ثم تحولت هذه الخرائط إلى قاعدة لنموذج كمي يختبر التدخلات، وقد كشفت هذه العملية أن استجابات الحوكمة تغيرت بمرور الوقت بين الإغلاق والتقييد ثم التخفيف وإعادة الفتح، وتغير سلوك المسافرين بدوره بين الإحجام والتحول نحو وجهات محلية أكثر أمانًا، فجاءت الآثار متحركة ومتفاوتة لا خطية مستقرة
ورتبت التدخلات المستخلصة بالتعاون مع الشركاء المحليين على ثلاث مراحل زمنية متصلة، ففي مرحلة التعافي القريبة تبرز تدخلات تثبيت المنشآت وحماية الوظائف وطمأنة الزوار، وفي مرحلة الإحياء تتركز الجهود على تنشيط الطلب وإعادة بناء الثقة بالوجهة، ثم تتجه مرحلة النمو إلى تطوير المنتجات وتنويع الأسواق بصورة مستدامة، وقد اختبرت هذه التدخلات وفق احتياجات كل مرحلة في ضوء عدم اليقين المحيط بمعدلات تعافي القطاعات الفرعية المختلفة، فلا الإقامة ولا الفعاليات ولا النقل الداخلي يعود بوتيرة واحدة، وهو ما يجعل التخطيط المرحلي المرن أكثر واقعية من خطط التعافي الجامدة
وتقوم القيمة العملية لهذه المقاربة على أنها لا تعامل أصحاب المصلحة المحليين مصادر معلومات فحسب، بل شركاء في بناء النموذج واختبار التدخلات وتملّك نتائجها، فتتعزز بذلك شرعية القرارات الناتجة وقابليتها للتنفيذ، كما أن الطابع الدينامي الشامل للمقاربة يجعلها صالحة لمواجهة صدمات خارجية أخرى قد تضرب السياحة الساحلية مستقبلًا، كنوبات الأوبئة أو الظواهر المناخية المتطرفة أو التحولات الاجتماعية والسياسية، إذ تتشابه هذه الصدمات في أنها تفاجئ القطاع من خارجه وتتفاعل آثارها عبر قطاعات متشابكة، فتحتاج إلى أدوات تفكير منظومي وإلى تنسيق أفقي بين الجهات المعنية بدل ردود الفعل الجزئية المنعزلة
وخلاصة القول إن تعافي السياحة الساحلية بعد الجائحة عملية دينامية متفاوتة الإيقاع بين القطاعات، وأن النمذجة التشاركية لديناميات النظم توفر إطارًا عمليًا لفهم هذه الآثار وبناء تدخلات مرحلية متكيفة تقوم على التعاون عبر القطاعات








