منذ تفشي جائحة كورونا، صارت وسائل التواصل الاجتماعي تستخدم بكثافة في عمليتي التعليم والتعلم، فأضفت على التعلم طابعًا اجتماعيًا من جهة، وطرحت من جهة أخرى تحديات أمام سلوك التعلم المستقل لدى الطلاب، وتتناول هذه الدراسة العوامل المؤثرة في تنظيم الدافعية داخل بيئات التعلم المدمج، وتبحث العلاقة بين التنشئة الاجتماعية للتعلم المدمج وتنظيم الدافعية، مع اختبار دور دعم المعلم متغيرًا معدِّلًا في هذه العلاقة، واهتمام خاص بالآليات والاستراتيجيات التي تدعم اهتمامات الطلاب طويلة الأجل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد العوامل المؤثرة في تنظيم دافعية الطلاب في بيئات التعلم المدمج التي تجمع بين الحضور المباشر والتواصل الإلكتروني الاجتماعي، وإلى فحص الكيفية التي يعدِّل بها دعم المعلم العلاقة بين التنشئة الاجتماعية للتعلم المدمج وتنظيم الدافعية، وانصبت على ثلاثة أوجه لدعم المعلم هي دعم الاستقلالية ودعم المشاعر ودعم القدرة، وبنت تحليلها على التمييز بين القوى الدافعة الداخلية لتنظيم الدافعية لدى الطلاب والقوى الخارجية المحيطة بهم، بما يسمح بفهم قابلية الدافعية للتشكل والتغير عبر الزمن وعدم تساوي نواتج التعلم بين مجموعات محددة من الطلاب
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن التفاعل الاجتماعي والمرح المدرك عاملان مهمان يؤثران في تنظيم دافعية الطلاب داخل بيئات التعلم المدمج، فحين يتفاعل الطلاب اجتماعيًا مع أقرانهم ومعلميهم ويشعرون بالمتعة في أثناء التعلم يصبحون أقدر على تنظيم دافعيتهم والمحافظة عليها، كما كشفت أن دعم المعلم للاستقلالية والمشاعر والقدرة يؤدي دورًا تعديليًا في العلاقة المدروسة، إذ يعزز هذا الدعم أثر التنشئة الاجتماعية للتعلم المدمج في تنظيم الدافعية، وعرضت النتائج القوى الدافعة الداخلية والخارجية معًا، مبينة أن تنظيم الدافعية ليس خاصية ثابتة في الطالب بل عملية قابلة للتشكل تتداخل فيها خصائص الطالب نفسه مع ما توفره البيئة التعليمية من تفاعل ودعم، وهو ما يفسر جانبًا من تفاوت التحصيل بين مجموعات الطلاب
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفيد هذه النتائج المعلمين والمصممين التعليميين في فهم مرونة الدافعية وقابليتها للتطوير، وتقتضي أن يؤدي المعلمون دورًا أكثر دعمًا داخل بيئة التعلم الاجتماعي، بالاستناد إلى التفكير القائم على اللعب والتصميم التفاعلي، تعزيزًا لدافعية الطلاب للتعلم واستمرارها، كما تنبه إلى أن بناء التفاعل الاجتماعي والمتعة داخل أنشطة التعلم المدمج ليس ترفًا بل عنصرًا مؤثرًا في قدرة الطلاب على تنظيم دافعيتهم، وأن إغفال دعم الاستقلالية والمشاعر والقدرة قد يضعف ما تحققه البيئة المدمجة من مزايا
وتكتسب التنشئة الاجتماعية للتعلم المدمج أهميتها من التحول الذي أحدثته الجائحة في طبيعة التعلم ذاته، فقد أضفى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة على التعلم طابعًا اجتماعيًا تفاعليًا يتجاوز تلقي المحتوى إلى تبادله وبنائه جماعيًا، غير أن هذا الانفتاح الاجتماعي طرح في المقابل تحديات أمام التعلم المستقل الذاتي، إذ صار تنظيم الطالب لدافعيته وسط بيئة مزدحمة بالمثيرات الاجتماعية مطلبًا أصعب، ومن هنا ركزت الدراسة على الآليات والاستراتيجيات التي تدعم اهتمامات الطلاب طويلة الأجل لا مجرد إنجاز المهام العاجلة، باعتبار أن الدافعية المستدامة هي ضمان استمرار التعلم المدمج ونجاحه
ويتوزع دعم المعلم المعدِّل على ثلاثة أوجه متكاملة، فدعم الاستقلالية يمنح الطلاب هامش اختيار وتنظيم لتعلمهم، ودعم المشاعر يوفر الاحتواء والتشجيع الذي يخفف قلق التعلم في البيئات الجديدة، ودعم القدرة يبني إحساس الطلاب بكفاءتهم عبر التغذية الراجعة والسقالات المناسبة، وحين تجتمع هذه الأوجه يقوى أثر البيئة الاجتماعية للتعلم المدمج في تنظيم الدافعية، وتبرز قابلية الدافعية للتشكل والتطور بوصفها فرصة بيد المعلم لا قدرًا ثابتًا، كما يفسر غياب هذا الدعم جانبًا من عدم تساوي نواتج التعلم بين مجموعات الطلاب، إذ تتفاوت قدرتهم على تعويض غياب الدعم بأنفسهم
وتنبع أهمية تحديد العوامل المؤثرة في تنظيم الدافعية من أن هذا التنظيم هو ما يبقي الطالب منخرطًا في تعلمه حين يغيب الإشراف المباشر، فبيئات التعلم المدمج تمنح الطلاب مرونة واسعة في الزمان والمكان لكنها تحملهم في المقابل مسؤولية إدارة تعلمهم بأنفسهم، ومن هنا احتاج الباحثون إلى الانتباه للآليات والاستراتيجيات التي تدعم اهتمامات الطلاب طويلة الأجل لا مجرد حماس البدايات، وقد بينت الدراسة أن الدافعية قابلة للتشكل والتغير بتغير ما يحيط بها من تفاعل اجتماعي ودعم معلم وتصميم تعليمي محفز، وهو ما يجعل التدخلات التربوية لتصحيح مسارها ممكنة ومجدية، ويجعل إهمالها سببًا في اتساع فجوة التحصيل بين الطلاب
وخلاصة القول إن تنظيم دافعية الطلاب في التعلم المدمج يتغذى على التفاعل الاجتماعي والمرح المدرك، ويقوى بدعم المعلم للاستقلالية والمشاعر والقدرة، بما يجعل الدافعية عملية مشتركة البناء بين الطالب ومعلمه وبيئة تعلمه








