استأثرت رأسمالية الدولة في الصين باهتمام واسع في الأدبيات القانونية والاقتصادية، لما فرضته من تحديات أيديولوجية ومفاهيمية وعملية أمام قواعد التجارة العالمية، إذ يتزايد الانطباع بأن قواعد التجارة الدولية الراهنة ليست متماسكة من الناحية المفاهيمية، ولا فعالة من الناحية العملية في التعامل مع هذا النموذج، ولم يقف أثر هذا الانطباع عند حدود النقاش الأكاديمي، بل قاد إلى نشوء قواعد تجارية جديدة ضمن الاتفاقات التجارية الإقليمية، وبلغ ذروته في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، التي ازدادت حدة بفعل جائحة كورونا، ومن هنا تنطلق الدراسة من قناعة مفادها أن الحكم على جدوى القواعد المصممة لمواجهة رأسمالية الدولة الصينية يقتضي أولًا فهم طبيعة هذا النموذج وآليات اشتغاله من الداخل
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تفكيك ما وصفته بالصندوق الأسود لرأسمالية الدولة في الصين، والكشف عن طبيعتها وخصائصها البنيوية التي تجعل ضبطها بالقواعد التجارية التقليدية أمرًا بالغ الصعوبة، كما هدفت إلى تقديم تقويم أولي للقواعد الراهنة المتخذة لمواجهة هذا النموذج، وبيان أسباب ترجيح عدم نجاحها، واعتمدت الدراسة منهجية تحليلية قانونية تقوم على تحليل طبيعة رأسمالية الدولة في الصين، وفحص القواعد الجديدة التي أدرجت في الاتفاقات التجارية الإقليمية، وفي مقدمتها قواعد الاتفاق الشامل والتقدمي للشراكة عبر المحيط الهادئ، ومقارنة مقتضيات هذه القواعد بواقع العلاقة بين الدولة الصينية والشركات العاملة في اقتصادها، وتناولت كذلك السياق الأوسع الذي تشكلت فيه هذه القواعد، من تصاعد التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين إلى التداعيات التي أضافتها الجائحة إلى هذا التوتر
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن القواعد الجديدة المصممة لمواجهة رأسمالية الدولة في الصين يرجح ألا تحقق النجاح المأمول منها، لأنها بنيت على تصورات لا تلائم الطبيعة الفعلية لهذا النموذج، فحين تفكك الدراسة بنية رأسمالية الدولة الصينية يتبين أن العلاقة بين الدولة والشركات فيها ليست علاقة خارجية يمكن عزل أثرها بأدوات تقليدية كقواعد الدعم الحكومي وتنظيم الشركات المملوكة للدولة، بل هي علاقة مندمجة في بنية الاقتصاد ذاته، وهو ما يجعل القواعد التي تفترض حدودًا فاصلة واضحة بين القطاعين العام والخاص قاصرة عن الإحاطة بها وضبط آثارها
وبينت الدراسة أن القواعد المستحدثة في الاتفاقات الإقليمية، ومنها قواعد الاتفاق الشامل والتقدمي للشراكة عبر المحيط الهادئ التي تعد أحدث المحاولات وأكثرها تطورًا، تظل دون مستوى التحدي الذي يطرحه النموذج الصيني، إذ لم تستطع القواعد الدولية الراهنة أن تقدم إطارًا مفاهيميًا متماسكًا ولا أدوات عملية فعالة للتعامل معه، كما أظهر التحليل أن التصعيد التجاري بين القوتين الاقتصاديتين الكبريين لم يعالج جذور الإشكال، بل عمق الحاجة إلى إعادة نظر جوهرية في الأسس التي تقوم عليها قواعد التجارة العالمية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات مهمة لصانعي السياسات التجارية ومصممي الاتفاقات الدولية، إذ تدعو إلى أن يسبق تصميم أي قواعد جديدة فهم دقيق لطبيعة النموذج الاقتصادي المراد ضبطه، وأن تبنى القواعد على أساس هذا الفهم لا على افتراضات مستعارة من نماذج اقتصادية مغايرة، كما تفيد الباحثين في القانون التجاري الدولي بتوضيحها مواضع القصور المفاهيمي في الإطار الراهن، وفتحها باب النقاش حول بدائل أكثر واقعية للتعامل مع اقتصادات تتداخل فيها الدولة والسوق تداخلًا عميقًا، وتسهم كذلك في إثراء الحوار الأكاديمي حول مستقبل النظام التجاري متعدد الأطراف
وتتوزع التحديات التي تطرحها رأسمالية الدولة في الصين على ثلاثة مستويات متداخلة، فعلى المستوى الأيديولوجي يصطدم النموذج بافتراضات اقتصاد السوق التي بنيت عليها قواعد التجارة العالمية، وعلى المستوى المفاهيمي تعجز الفئات القائمة كالدعم الحكومي والشركات المملوكة للدولة عن استيعاب طبيعته الهجينة، وعلى المستوى العملي تثبت أدوات المعالجة التجارية قصورها أمام ممارسات يصعب إثباتها أو عزل أثرها، ولذلك انخرطت الدراسة في النقاش الدائر حول ماهية القواعد التجارية اللازمة للتصدي لهذا النموذج، فجعلت من تفكيك طبيعته نقطة البدء في تقويم أي قواعد مقترحة أو قائمة، فقواعد لا تنطلق من فهم دقيق لحضور الدولة في الاقتصاد الصيني وتغلغلها في قرارات الشركات ستظل تعالج المظاهر دون الجذور، وتستنزف الجهود في نزاعات تجارية لا تحسم أصل الإشكال
وخلاصة القول إن مواجهة التحديات التي تطرحها رأسمالية الدولة في الصين لا تكون بمزيد من القواعد المبنية على التصورات ذاتها التي أثبتت قصورها، بل بفهم أعمق لطبيعة هذا النموذج وخصائصه، وبناء أطر قانونية تنطلق من هذا الفهم، وهو ما يجعل هذه الدراسة إسهامًا تأسيسيًا في نقاش ما يزال مفتوحًا حول مستقبل قواعد التجارة العالمية








