تتناول هذه الدراسة تقاطع الشمول المالي والشعبوية المناصرة للفقراء والحوكمة المُمَولَنة في الهند، عبر تحليل برنامجين رائدين هما برنامج جان دان يوجانا للحسابات المصرفية الشاملة وبرنامج مودرا يوجانا للقروض الموجهة للمشروعات الصغيرة، وقد رُوّج لهذين البرنامجين بوصفهما مبادرتين محوريتين لتمكين الفقراء والتغلب على ما يسمى اللامساس المالي، وأصبحا في قلب خطاب التنمية لدى حكومة مودي، غير أن الدراسة تتساءل نقديًا عما إذا كان الشمول المالي يعادل التمكين فعلًا، أم أنه يعيد تشكيل الرفاه ذاته بمنطق مالي يخضع الفقراء لآليات السوق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى كشف الوظائف الفعلية لبرنامجي الشمول المالي الهنديين وراء خطابهما التحرري المعلن، وبيان موضعهما من التحول العالمي نحو عدّ التمويل مدخلًا للتنمية، واعتمدت الدراسة تحليلًا نقديًا مستندًا إلى وثائق السياسات والبيانات المالية والأدبيات النقدية ذات الصلة، متتبعة قضايا عملية مثل انتشار الحسابات الخاملة وارتفاع الأصول المتعثرة وتزايد الاعتماد على التحويلات النقدية المباشرة للمستفيدين، وبذلك جمعت الدراسة بين تحليل الخطاب السياسي وتقويم المؤشرات المالية الموضوعية لأداء البرنامجين
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة أن البرنامجين يعملان تحت خطابهما التحرري أدواتٍ لإدماج الفئات غير الرسمية في النظام المالي الرسمي مع تعريضها لأشكال جديدة من الهشاشة السوقية، وأن قضايا مثل الحسابات الخاملة واسعة الانتشار وارتفاع الأصول المتعثرة والاعتماد المتنامي على التحويلات المباشرة تكشف حدودًا بنيوية لهذا النموذج، وبيّنت أن أجندة الشمول المالي الهندية تمثل تحولًا أوسع من الرفاه التوزيعي إلى الحوكمة المُمَولَنة، فتصميمها المركزي التقنوقراطي، رغم تأطيرها شعبوية مناصرة للفقراء، يعكس نموذج الشعبوية السلطوية في ظل الحوكمة المالية، إذ يشرعن البرنامجان الجاذبية الشعبية للحكومة بينما يعمقان في الوقت ذاته اختراق السوق ويضمنان المنطق المالي في صلب تقديم الرفاه
وتدعم التفاصيل العملية التي رصدتها الدراسة هذا الاستنتاج الكلي، فانتشار الحسابات الخاملة يعني أن ملايين الحسابات المفتوحة لم تتحول إلى نشاط مالي فعلي يغير حياة أصحابها، وارتفاع الأصول المتعثرة في قروض المشروعات الصغيرة يكشف أن التوسع الائتماني الموجه سياسيًا قد يزرع مخاطر مستقبلية للمقترضين الأفقر أنفسهم، بينما الاعتماد المتنامي على التحويلات النقدية المباشرة يعيد تعريف علاقة المواطن بالدولة عبر حساب مصرفي وسيط، فتغدو الاستحقاقات الاجتماعية مشروطة بالاندماج في البنية المالية الرسمية، وهذه الظواهر مجتمعة ترسم صورة نموذج ينجح في مؤشرات الانتشار الشكلي بينما يتعثر في مؤشرات العمق والجودة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجلى دلالة هذه الدراسة في تنبيهها حكومات الجنوب العالمي التي تتبنى الشمول المالي بوصفه وصفة تنموية جاهزة إلى أن فتح الحسابات ومنح القروض لا يضمنان بذاتهما تمكينًا اقتصاديًا حقيقيًا ما لم يقترنا بمعالجة الحسابات الخاملة وتعثر القروض وبناء قدرات المستفيدين، كما تقدم الدراسة للباحثين في الاقتصاد السياسي إطارًا نقديًا لقراءة برامج الرفاه المالي في سياقات أخرى، وتفيد المؤسسات المالية والمنظمات التنموية بأن مؤشرات النجاح ينبغي أن تتجاوز أعداد الحسابات المفتوحة إلى جودة الاستخدام وأثره الفعلي في حياة الفقراء، لأن المواطنة الاقتصادية الوسيطة بالسوق التي تنتجها هذه البرامج سلاح ذو حدين، توسع النفاذ وتعرض أصحابه في آن واحد لمخاطر جديدة
ولا تقف دلالة هذه النتائج عند حدود الهند، فالبرنامجان يمثلان النسخة الأضخم عالميًا من موجة الشمول المالي التي اجتاحت الجنوب العالمي بدعم من مؤسسات دولية كبرى، ومن ثم فإن نقدهما يتردد صداه في كل سياق تُقاس فيه التنمية بعدد الحسابات والقروض لا بتحسن الدخول والأمان الاقتصادي، وتدعو الدراسة واضعي السياسات إلى إعادة التوازن بين الرفاه التوزيعي المباشر والأدوات المالية، بحيث تخدم الثانية الأولى ولا تحل محلها، كما تنبه الباحثين إلى أهمية دراسة تجارب المستفيدين المعيشية جنبًا إلى جنب مع البيانات الرسمية، لأن المواطنة الاقتصادية الجديدة تُبنى يوميًا في تفاصيل التعامل مع البنوك والديون والتحويلات
ومن المهم التمييز هنا بين نقد الدراسة للبرنامجين وبين رفض فكرة الشمول المالي ذاتها، فالنقد موجه إلى تحويل الشمول إلى غاية إحصائية وإلى إعادة تشكيل الرفاه بمنطق السوق، لا إلى مبدأ توسيع النفاذ إلى الخدمات المالية الذي يظل مشروعًا حين يقترن بحماية المستفيدين وبناء قدراتهم المالية
وخلاصة القول إن برنامجي الشمول المالي في الهند يكشفان تحولًا عميقًا في فن الحكم، من رفاه توزيعي تديره الدولة إلى رفاه يعاد تشكيله عبر التمويل، بما ينتج مواطنة اقتصادية جديدة وسيطة بالسوق في الجنوب العالمي تستحق الدراسة النقدية المتأنية








