تنطوي المدينة الذكية على تحضر مخطط تبنته بلدان كثيرة بحلول مصممة خصيصًا لتناسب التحديات المحلية وتستثمر الفرص المحلية إلى أقصى حد، وقد بدأت مبادرات المدن الذكية في موريشيوس عام 2015 بعد إصدار لائحة مخطط المدينة الذكية في العام نفسه بموجب قانون تشجيع الاستثمار، فبلغ عدد المدن الذكية المعتمدة اثنتي عشرة مدينة بحلول عام 2021، غير أن هذا التمدد العمراني يستهدف في معظمه أراضي زراعية في جزيرة محدودة الموارد الأرضية، وتقدم هذه الدراسة مراجعة نقدية لتنظيم المدن الذكية ومبادراتها في سياق تخطيط استخدام الأراضي في موريشيوس لبيان مدى استدامتها البيئية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مراجعة نقدية لتنظيم المدن الذكية ومبادراتها في سياق تخطيط استخدام الأراضي في موريشيوس، والنظر في مدى استدامة هذه المشروعات بيئيًا، وتقديم توصيات لتحسين استدامتها البيئية، وتتبعت الدراسة الإطار التنظيمي الذي يحكم هذه المشروعات، فالموافقة التنظيمية على مشروع المدينة الذكية تشمل شهادة مخطط المدينة الذكية، وتصريح تحويل الأراضي عند الاقتضاء، وتقييم الأثر البيئي، ورخصة، وتصريح البناء واستخدام الأراضي، وتصدر جميعها عبر إجراء سريع المسار، كما استعرضت الدراسة الخلفية التاريخية لتحويل أراضي شركات السكر الكبرى إلى فنادق ومرافق ترفيهية ضمن استراتيجية حكومية لتنويع صناعة السكر بعد تفكيك بروتوكول السكر بين دول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ والاتحاد الأوروبي، وما تبع ذلك من مخططات تطوير عقاري متعاقبة منذ مطلع الألفية
ثانيًا: أبرز النتائج
توضح الدراسة أن مفهوم المدينة الذكية جاء مخططًا للتخطيط الحضري المنسق بمشروعات تنمية كبرى مختلطة الاستخدامات توظف التقنية الذكية والابتكار الرائد، وأن الأراضي المستهدفة في معظمها أراض زراعية تعود لكبرى شركات السكر، وهو ما يضع ضغطًا متزايدًا على الموارد الأرضية المحدودة لدولة جزرية صغيرة نامية كموريشيوس، وتبين المراجعة أن إنشاء مدينة ذكية يتجاوز مجرد التحضر والتطوير العقاري، وأن خطط هذه المشروعات يجب أن تقيم بعناية قبل اعتمادها، فحصر المدن الذكية في عدد محدود وضمان استدامتها البيئية شرطان أساسيان، ولا سيما أن تسريع إجراءات الترخيص عبر المسار الواحد، وإن كان يجذب الاستثمار، قد يضعف التدقيق البيئي والتخطيطي الذي تحتاجه مشروعات بهذا الحجم والأثر
ويضاف إلى ذلك أن تطور مخططات التطوير العقاري في موريشيوس منذ عام 2002 عبر مخطط المنتجعات المتكاملة، ثم من خلال مخطط التطوير العقاري منذ عام 2007 بما شمله من مخطط العقارات ومخطط الاستثمار الفندقي الأصغر حجمًا والأقل كلفة، مهد الأرضية التي قام عليها مفهوم المدينة الذكية عام 2015 بوصفه صيغة أوسع للتخطيط الحضري المنسق، غير أن تراكم هذه المخططات عبر عقدين زاد الضغط على مخزون الأرض الزراعية الذي يصعب تعويضه في بلد جزيري محدود المساحة، وهو ما يجعل تقييم كل مشروع على حدة غير كاف ما لم يقترن برؤية إجمالية لما يمكن تحويله من الأراضي دون إخلال بتوازن الجزيرة البيئي والغذائي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة توصيات لتحسين الاستدامة البيئية للمدن الذكية في موريشيوس، وتوجه رسالة مهمة إلى مخططي استخدام الأراضي وصناع القرار في الدول الجزرية الصغيرة النامية وغيرها من البلدان محدودة الأرض، مفادها أن التنمية الذكية لا تقاس بسرعة الترخيص ولا بحجم الاستثمار وحدهما، بل بمدى صون الموارد الأرضية والبيئية للأجيال القادمة، كما تفيد الدراسة الباحثين في قانون التخطيط والتنظيم العمراني بعرضها حالة موثقة لتطور الأطر التنظيمية من مخططات المنتجعات والعقارات إلى مفهوم المدينة الذكية، بما يساعد على استخلاص العبر عند تصميم أطر مماثلة، وبخاصة في الموازنة بين تشجيع الاستثمار ومتطلبات تقييم الأثر البيئي وتراخيص تحويل الأراضي والبناء
وتشير الدراسة بذلك إلى أن نجاح تجربة المدن الذكية في الدول الجزرية الصغيرة يقاس بقدرتها على الجمع بين جذب الاستثمار الراقي وحماية مواردها الأرضية والبيئية النادرة، لا بأعداد المشروعات المعتمدة وحدها، فكل مشروع يقام على أرض زراعية محولة هو قرار طويل الأمد يصعب التراجع عنه، وهو ما يضاعف مسؤولية جهات التخطيط والترخيص في الموازنة بين مكاسب التنمية العاجلة وكلفتها البيئية الممتدة على الجزيرة وسكانها
وخلاصة القول إن مراجعة تنظيم المدن الذكية في موريشيوس كشفت مشروعات طموحة أقرت عبر مسار ترخيص سريع لكنها تستهدف أراض زراعية في جزيرة محدودة الموارد، وأكدت الدراسة أن الاستدامة البيئية يجب أن تكون معيار الاعتماد الأول، مع تقييم دقيق للخطط وحصر للمشروعات في حدود ما تحتمله الأرض والبيئة، حتى لا تتحول المدينة الذكية إلى تطوير عقاري على حساب موارد لا تعوض








