تتناول هذه الدراسة التحول الذي يشهده مفهوم قيادة الأعمال المستدامة ومفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات في حقبة ما بعد جائحة كورونا، وهي حقبة أعادت تشكيل بيئة الأعمال العالمية وفرضت على القادة أسئلة جديدة حول دور منظماتهم في المجتمع والبيئة، ويركز البحث على رواد الأعمال الصغار ومديري المنشآت الصغيرة والمتوسطة في بلدين مختلفين هما جمهورية التشيك والاتحاد الروسي، سعيًا إلى فهم كيفية انعكاس تصوراتهم عن المسؤولية الاجتماعية في ممارساتهم اليومية، وكيفية تأثير العوامل الداخلية في شركاتهم في تبني مبادئ التنمية المستدامة وتطبيقها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تهدف الدراسة إلى تقييم تطبيق ممارسات المسؤولية الاجتماعية للشركات ومبادئها، بما تشمله من مسؤولية اجتماعية واستدامة بيئية وحوكمة إيكولوجية، في المنشآت الصغيرة والمتوسطة بعد الجائحة، واختبار ما إذا كانت العوامل الداخلية للشركة تؤثر في تعزيز هذه المبادئ، وقد بنى الباحثون نموذجًا تجريبيًا لهذا الغرض، واعتمدوا على بيانات جمعوها بأنفسهم من أربع مئة وخمسين استبانة إلكترونية وزعت على مديري المنشآت الصغيرة والمتوسطة في جمهورية التشيك والاتحاد الروسي، واختير البلدان لما بينهما من أوجه تشابه وأوجه اختلاف في آن واحد، من حيث التوجه الجيوسياسي ومسارات التحول الاقتصادي والمواقف من سياسات التنمية المستدامة وتبني أهداف التنمية المستدامة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن نوع النشاط التجاري للشركة وبنية ملكيتها يؤثران تأثيرًا إيجابيًا في إدخال مبادئ المسؤولية الاجتماعية والتنمية المستدامة إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة المشمولة بالدراسة، في حين كان لعمر الشركة أثر سلبي في هذا الإدخال، إذ تميل الشركات الأحدث فيما يبدو إلى تبني هذه المبادئ بمرونة أكبر من الشركات الأقدم، وتأتي هذه النتائج في سياق أوسع رسمه الباحثون، فالجائحة ليست مجرد مأساة إنسانية ما تزال تحصد ملايين الأرواح، بل يمكن النظر إليها أيضًا بوصفها فرصة ممتازة لإعادة إطلاق التنمية الاقتصادية المستدامة ودفع الأعمال والاقتصاد نحو مسؤولية اجتماعية حقيقية واتخاذ قرار أخلاقي، تجلى ذلك في انخفاض انبعاثات الكربون نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي والسفر، وفي زيادة الاستثمارات في الرعاية الصحية والتعليم، وفي أنماط جديدة للعمل والتعلم كالعمل عن بُعد والتعليم عبر الإنترنت
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب نتائج الدراسة أهمية خاصة لأصحاب المصلحة وأصحاب الأعمال الراغبين في تعزيز ممارسات المسؤولية الاجتماعية ودفع التنمية الاقتصادية المستدامة في منشآتهم في حقبة ما بعد الجائحة، إذ ترشدهم إلى العوامل الداخلية الأكثر ارتباطًا بنجاح هذا التعزيز، كنوع النشاط وبنية الملكية، وتنبههم إلى أن الشركات الأقدم قد تحتاج إلى جهود إضافية لتجاوز جمود ممارساتها الراسخة، كما تسهم الدراسة في الأدبيات المتنامية حول تحول مفهوم قيادة الأعمال المستدامة، بتقديمها دليلًا تجريبيًا مقارنًا من بلدين يختلفان في توجههما الجيوسياسي ومسار تحولهما الاقتصادي، وهو ما يثري فهم كيفية تفاعل السياقات الوطنية مع أجندة الاستدامة العالمية في قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة الذي يشكل عماد اقتصادات كثيرة
وتتوقف الدراسة عند طبيعة التحدي الذي فرضته الجائحة على قادة الأعمال، فقد أحيت تهديدات قديمة وأدخلت تهديدات جديدة كثيرة سيواجهها قادة اليوم في السنوات المقبلة، وفي الوقت نفسه حولت الأزمة إلى نافذة لإعادة النظر في مسؤولية الشركات تجاه مجتمعاتها وبيئتها، إذ لاحظ الباحثون كيف منح تراجع النشاط الاقتصادي والسفر البيئة متنفسًا بانخفاض الانبعاثات، وكيف اتجهت الاستثمارات المتزايدة نحو قطاعي الرعاية الصحية والتعليم، وكيف فرضت أنماط العمل عن بُعد والتعليم عبر الإنترنت أساليب جديدة لإدارة الأعمال وبناء فرقها، وهي تحولات تجعل سؤال المسؤولية الاجتماعية سؤالًا عمليًا يوميًا لصغار رواد الأعمال ومديري المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا ترفًا نظريًا تتحمله الشركات الكبرى وحدها، كما تمنح مقارنة بلدين متباينين في التوجه الجيوسياسي ومسار التحول الاقتصادي النتائج قوة إضافية، إذ يصعب عزوها إلى سياق وطني واحد، وتقترب بها من دروس قابلة للنقل إلى بيئات أعمال أخرى تتشابه منشآتها الصغيرة في محدودية الموارد وحاجتها إلى قيادة واعية بمسؤولياتها الاجتماعية والبيئية
وخلاصة القول إن حقبة ما بعد كورونا فتحت أمام قيادة الأعمال فرصة نادرة لإعادة تعريف نجاحها بمعايير تتجاوز الربح إلى المسؤولية الاجتماعية والاستدامة البيئية والقرار الأخلاقي، وتثبت الدراسة تجريبيًا أن هذا التحول في المنشآت الصغيرة والمتوسطة لا يحدث بالتمني، بل يرتبط بعوامل داخلية قابلة للملاحظة والقياس، فيتقدم حيث يساعد نوع النشاط وبنية الملكية، ويتباطأ حيث يطول عمر الشركة وتترسخ عاداتها، ومن هنا تصبح مهمة القادة وأصحاب المصلحة أن يحولوا دروس الجائحة القاسية إلى ممارسات مؤسسية دائمة تجعل الاستدامة جزءًا من هوية المنشأة لا شعارًا عابرًا في أزمنة الأزمات








