يعد تطبيق المسؤولية الاجتماعية للشركات ضرورة لإدارة أي شركة، وقد تغيرت أساليب عمل الشركات بعد جائحة كورونا بفعل قضايا داخلية وخارجية فرضت إعادة التفكير في علاقتها بمجتمعها وموظفيها والجهات المنظمة لعملها، وتنطلق هذه الدراسة من هذا السياق ما بعد الجائحة لتقيس العلاقة بين حجم الشركة وأدائها المالي والبيئة التنظيمية وانخراط الموظفين من جهة والمسؤولية الاجتماعية للشركات من جهة أخرى، مع اختبار الدور الوسيط الذي تؤديه البيئة التنظيمية وانخراط الموظفين في نقل أثر حجم الشركة وأدائها المالي إلى ممارساتها الاجتماعية المسؤولة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس العلاقات بين حجم الشركة والأداء المالي والبيئة التنظيمية وانخراط الموظفين والمسؤولية الاجتماعية للشركات في سياق ما بعد الجائحة، واختبار ما إذا كانت البيئة التنظيمية وانخراط الموظفين يتوسطان العلاقة بين حجم الشركة وأدائها المالي وبين تطبيقها للمسؤولية الاجتماعية، واعتمدت الدراسة منهجًا كميًا استخدمت فيه نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية لاختبار العلاقات المقترحة بين المفاهيم، وهي منهجية تناسب النماذج التي تتضمن مسارات وساطة متعددة ومتغيرات كامنة تقاس بمؤشرات متعددة
وجُمعت بيانات المسح من ثلاثمائة وستة وأربعين موظفًا في مدينة تشنغتشو بمقاطعة خنان في الصين يعملون في شركات زراعية، وحُللت قاعدة بيانات الدراسة باستخدام خوارزمية المربعات الصغرى الجزئية واختبارات إعادة المعاينة والتعمية عبر برنامج سمارت بي إل إس في إصداره الرابع، وهي اختبارات مجتمعة وفرت معرفة متكاملة بثبات النموذج وقدرته التنبؤية، بما أتاح الحكم على قوة المسارات المباشرة وغير المباشرة في النموذج المقترح ودلالتها الإحصائية بصورة متكاملة
ثانيًا: أبرز النتائج
أشارت النتائج إلى أن حجم الشركة وأداءها المالي يتنبآن بصورة دالة بالبيئة التنظيمية وانخراط الموظفين، أي أن الشركات الأكبر حجمًا والأقوى أداءً ماليًا تتوافر لديها بيئات تنظيمية أكثر دعمًا ومستويات أعلى من انخراط الموظفين، وبينت النتائج كذلك أن البيئة التنظيمية وانخراط الموظفين عاملان ضروريان مؤثران في تطبيق المسؤولية الاجتماعية للشركات في القطاع الزراعي الصيني، بما يؤكد أن المسار الذي يصل الموارد المالية والحجم إلى الممارسات الاجتماعية يمر عبر بناء بيئة تنظيمية ملائمة وموظفين منخرطين فعليًا في عملهم ومؤسساتهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
قدمت الدراسة جوانب نظرية جديدة للنهوض بالمسؤولية الاجتماعية للشركات في شركات القطاع الزراعي، إذ أوضحت أن الاكتفاء بتوافر الموارد المالية لا يضمن ترجمتها إلى مبادرات اجتماعية راسخة ما لم تقترن ببيئة تنظيمية داعمة وانخراط حقيقي من الموظفين، كما تضمنت الدراسة توصيات لتحسين تطبيق المسؤولية الاجتماعية لدى شركات القطاع الزراعي في الصين، بما يساعد إدارات هذه الشركات على توجيه استثماراتها الاجتماعية نحو القنوات الأكثر فاعلية بدل تشتيتها في مبادرات شكلية لا تستند إلى بنية تنظيمية ممكّنة
وتفيد هذه النتائج إدارات الشركات عمومًا في فهم ديناميات ما بعد الجائحة، فالعلاقات الداخلية بين الحجم والأداء والتنظيم والانخراط تشكل منظومة متداخلة تتأثر مخرجاتها الاجتماعية بأي خلل في حلقاتها، ومن ثم فإن خطط التعافي المؤسسي التي تراعي إعادة بناء انخراط الموظفين وتطوير البيئة التنظيمية بالتوازي مع التعافي المالي تزيد فرص تحول المسؤولية الاجتماعية من التزام خطابي إلى ممارسة مؤسسية مستقرة تنعكس على سمعة الشركة وعلاقتها بمحيطها المجتمعي
وتنبغي قراءة هذه النتائج في إطارها الزمني ما بعد الجائحة، فقد غيرت كورونا أساليب عمل الشركات بفعل قضايا داخلية وخارجية متزامنة، واضطرت الإدارات إلى إعادة ترتيب أولوياتها بين استمرارية الأعمال وسلامة الموظفين ومتطلبات الجهات المنظمة وتوقعات المجتمع، فصارت المسؤولية الاجتماعية ساحة اختبار لقدرة الشركة على الموازنة بين هذه المتطلبات، وهو ما يفسر اهتمام الدراسة بالبيئة التنظيمية وانخراط الموظفين بوصفهما الحلقة التي تتحول عندها الموارد والإمكانات إلى التزامات اجتماعية ممارسة فعلًا لا معلنة فحسب في التقارير والخطابات المؤسسية
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قاست بمنهجية نمذجة المعادلات البنائية العلاقة بين حجم الشركة وأدائها المالي والمسؤولية الاجتماعية في شركات زراعية صينية بعد الجائحة، فبينت أن الحجم والأداء يتنبآن بالبيئة التنظيمية وانخراط الموظفين، وأن هذين العاملين ضروريان ومؤثران في تطبيق المسؤولية الاجتماعية، وقدمت بذلك أساسًا نظريًا وتوصيات عملية للنهوض بالممارسات الاجتماعية المسؤولة في القطاع الزراعي








