تعد الفجوة الرقمية ظاهرة متعددة الأبعاد تؤثر بعمق في النفاذ إلى التعليم العالي والتعلم والبقاء فيه، إذ لا يتساوى الطلاب في امتلاك الاتصال بالإنترنت والأجهزة الرقمية والمهارات اللازمة لاستثمارها في دراستهم، فتتحول الفجوة تدريجيًا إلى عامل إقصاء تعليمي يغذي التسرب الجامعي، وتبحث هذه الدراسة في العلاقة بين عدم المساواة الرقمية ومعدلات تسرب الطلاب من التعليم العالي عبر مقاربة قائمة على المحاكاة ونمذجة النظم، ومع انتقال التعليم العالي باطراد نحو البيئات الرقمية والمدمجة صار النفاذ العادل إلى التقنية شرطًا للمساواة في فرص التعلم ذاتها، وصارت الفجوة الرقمية سؤالًا تعليميًا واجتماعيًا واقتصاديًا بقدر ما هي سؤال تقني يتعلق بالأجهزة والشبكات وحدها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى محاكاة آثار عدم المساواة الرقمية في معدلات تسرب الطلاب من برامج مرحلة البكالوريوس، واعتمدت منهجية ديناميكية النظم، فبُني نموذج للحلقات السببية ونموذج للمخزون والتدفق يمثلان تفاعل العوامل المؤثرة في التسرب عبر الزمن، وعُويل النموذج ببيانات تجريبية من كولومبيا شملت معدلات التسرب ومستويات الالتحاق ودخل الأسر والاتصال بالإنترنت وتوفر الأجهزة الرقمية، وتُحقق من النموذج بنيويًا وسلوكيًا للاطمئنان إلى سلامة بنائه ومطابقة سلوكه للواقع المرصود، وأُجريت تحليلات للحساسية، ثم نُفذت المحاكاة في إطار ثلاثة سيناريوهات هي تغيرات دخل الأسر بما يؤثر في الاتصال وتوفير الأجهزة، وتغيرات معدلات الالتحاق، وفاعلية برامج التدريب الرقمي، ويتيح نهج ديناميكية النظم تتبع حلقات التغذية الراجعة بين العوامل عبر الزمن، فضعف الاتصال يضعف التعلم، وضعف التعلم يرفع خطر التسرب، وارتفاع التسرب يؤثر بدوره في صورة المؤسسات التعليمية ومواردها وقدرتها على تحسين بنيتها الرقمية، وهكذا تتراكم الآثار وتتفاعل بما لا تلتقطه الدراسات المقطعية التي ترصد العلاقات في لحظة واحدة جامدة
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن القيود البنيوية، ولا سيما ضعف البنية التحتية وارتفاع معدلات التسرب من برامج التدريب، تمثل محركات رئيسة لاستنزاف الطلاب المتصل بالفجوة الرقمية، وأن التسرب لا يتوزع بالتساوي بين الطلاب، بل يتشكل بعوامل اجتماعية واقتصادية ومؤسسية تجعل فئات بعينها أكثر عرضة لمغادرة التعليم العالي، كما بينت محاكاة السيناريوهات أن أثر كل عامل يتباين عبر الزمن وأن تفاعل العوامل فيما بينها يضخم أثر القيود البنيوية مقارنة بما قد يوحي به النظر إلى كل عامل منفردًا، كما أظهرت المحاكاة أن برامج التدريب الرقمي ذاتها مخترقة بمشكلة التسرب من داخلها، فمن يحتاجون إلى التدريب أكثر من غيرهم قد يكونون الأقرب إلى الانقطاع عنه لأسباب تتصل بالبنية والكلفة والوقت، وأن معالجة عامل واحد كتحسين دخل الأسر قد تطور الاتصال وامتلاك الأجهزة لكنها تظل ناقصة الأثر ما دامت الاختناقات البنيوية في البنية التحتية قائمة، وتبرز النتائج كذلك أن التفاوت في التسرب بين الفئات الاجتماعية يعكس تفاوتًا أعمق في الموارد والفرص خارج أسوار الجامعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشدد نتائج الدراسة على أن معالجة الفجوة الرقمية تتطلب تدخلات نظامية وعلى مستوى السياسات العامة، لا حلولًا جزئية متفرقة تعالج عرَضًا دون آخر، وتسهم الدراسة في تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بضمان التعليم الجيد المنصف والشامل، عبر تقديمها مقاربة قائمة على المحاكاة تصلح لإرشاد الاستراتيجيات الرامية إلى تعزيز الإنصاف الرقمي وتقليل الإقصاء التعليمي في التعليم العالي، كما تقدم لصناع القرار في الجامعات والجهات التعليمية أداة لاستشراف آثار سياساتهم الرقمية قبل تطبيقها وتقدير كلفتها وجدواها، وتدعو الدراسة الجامعات إلى معاملة الإنصاف الرقمي بوصفه مكوّنًا أساسيًا في سياسات القبول والبقاء الأكاديمي والدعم الطلابي، عبر مبادرات كإعارة الأجهزة ودعم كلفة الاتصال ومرافقة الطلاب المعرضين لخطر التسرب في بدايات مسارهم الجامعي، ويمكن في الوقت نفسه تعميم منطق النموذج وبنيته على سياقات وطنية أخرى تعاني فجوات مشابهة في الاتصال والدخل والتدريب
وخلاصة القول إن الفجوة الرقمية ليست مجرد فجوة تقنية في الأجهزة والاتصال، بل عامل بنيوي يفسر جانبًا مهمًا من تسرب طلاب التعليم العالي، وإن نمذجة ديناميكية النظم تتيح رؤية تفاعلاتها المعقدة عبر الزمن، وتدعو إلى سياسات متكاملة تجمع بين تطوير البنية التحتية ودعم الأسر وتدريب الطلاب رقميًا، فالدرس الأهم الذي تقدمه الدراسة أن التسرب الجامعي ظاهرة نظامية تتغذى من التفاعلات المتراكمة للعوامل الاقتصادية والمؤسسية والتقنية، لا نتيجة عامل مفرد يمكن عزله ومعالجته بمعزل عن بقية المنظومة التعليمية والمجتمعية








