تنطلق أغلب نظريات الجريمة المتداولة من سياقات غربية قد لا تلائم المجتمعات ذات الخصوصية الثقافية العميقة، ومن هنا تبرز أهمية بناء نظريات متجذرة في ثقافة المجتمع نفسه وقيمه وبناه الاجتماعية، وتقدم هذه الدراسة نظرية متعددة التخصصات حول أسباب الجريمة في ساموا، تستند إلى ممارسة ثقافية أصيلة هي بناء أساس البيت الساموي المعروف باسم فاافاي، لتفسر من خلالها أسباب الجريمة وتصوغ استراتيجية للوقاية منها مستمدة من دلالات هذه الكلمة وغنى معانيها العميقة، وتأتي هذه النظرية ضمن توجه متنام في علم الجريمة يدعو إلى تجاوز احتكار النظريات الغربية لتفسير السلوك المنحرف، وبناء أطر معرفية تنبع من ثقافات الجنوب العالمي وخبراته التاريخية الخاصة، وتكتسب المحاولة وزنها من كون ساموا مجتمعًا ما تزال فيه الأسرة الممتدة والكنيسة ركيزتين محوريتين للحياة اليومية والضبط الاجتماعي غير الرسمي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نظرية تفسر أسباب الجريمة في ساموا انطلاقًا من الممارسة الثقافية المتمثلة في تأسيس قاعدة البيت الساموي، وإلى استخلاص استراتيجية للوقاية من الجريمة من الفروق الدقيقة في معنى كلمة فاافاي، واعتمدت الدراسة مقاربة نظرية متعددة التخصصات تراعي جانبين رئيسين في الحياة الساموية هما البعد الديني المتصل بعلاقة الإنسان بخالقه، والبعد الأسري المتمثل في الأسرة المعروفة باسم آيغا، وبواسطة هذين الجانبين تصف النظرية أسباب الجريمة في ساموا وترسم طريقًا للمضي قدمًا نحو استعادة الأسرة والمجتمع اللذين مزقتهما الجريمة وأضعفت تماسكهما، وتستثمر النظرية استعارة الأساس استثمارًا معرفيًا عميقًا، فكما لا يقوم البيت بلا قاعدة راسخة تحمله وتقيه الانهيار، لا يستقر المجتمع ولا تنضبط سلوكيات أفراده إذا اهتزت قواعده القيمية والأسرية، ومن دلالات كلمة فاافاي ذاتها ومعانيها المتفرعة تستخرج الدراسة عناصر الوقاية وترتيب أولوياتها
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت النظرية إلى أن الجريمة في السياق الساموي ليست انحرافًا فرديًا فحسب، بل شرخ يصيب الأسرة والمجتمع ويهدد تماسكهما حين يهتز الأساس الذي تنهض عليه الحياة المشتركة، وأن الوقاية الفاعلة تبدأ من إعادة بناء هذا الأساس القيمي والاجتماعي، وتدعو النظرية الكنيسة، عبر قساوستها، إلى أن تصبح فاعلة في المجال العام، بما يشمل التحدث علنًا عن أسباب الجريمة، والعمل بالتعاون مع سائر أصحاب المصلحة في ابتكار مناهج للوقاية من الجريمة ملائمة ثقافيًا لساموا، ويرجح أن تكون مألوفة أيضًا لدى دول جنوب المحيط الهادئ الأخرى التي تشترك مع ساموا في كثير من الخصائص الثقافية والاجتماعية، فالجريمة بحسب هذه النظرية تعود في جانب مهم من أسبابها إلى اختلال الأسس التي تقوم عليها الأسرة وعلاقة الإنسان بخالقه، فإذا ضعفت هذه الأسس ضعفت الروادع الداخلية والاجتماعية التي تقي الأفراد من الانحراف، وإذا قويت واستقامت صلح البناء الاجتماعي كله، ومن ثم فالوقاية عمل جماعي يبدأ من الأسرة ويمر بالكنيسة ويمتد إلى مؤسسات المجتمع كافة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة هذه النظرية في تقديمها نموذجًا للوقاية من الجريمة ينبع من داخل الثقافة المحلية لا من خارجها، ما يمنح مناهج الوقاية قبولًا اجتماعيًا أوسع وفرصًا أكبر للنجاح والاستمرار، كما تبرز أهمية الشراكة بين المؤسسات الدينية وأجهزة الدولة والمجتمع في مواجهة الجريمة، وتمثل النظرية إسهامًا في أدبيات علم الجريمة في جنوب المحيط الهادئ التي تسعى إلى تجاوز النماذج المستوردة نحو أطر تفسيرية تحترم الخصوصية الثقافية وتستثمر رأس المال الاجتماعي المتمثل في الأسرة والتدين، وتقدم النظرية للعاملين في العدالة الجنائية وصناع السياسات الاجتماعية عدسة مختلفة لقراءة الجريمة بوصفها قضية مجتمع وثقافة قبل أن تكون قضية أفراد ومخالفات معزولة، وتدعو إلى برامج وقاية تشارك فيها الكنائس والقيادات المجتمعية مشاركة مؤسسية فعلية لا رمزية، وإلى بحوث ميدانية لاحقة تختبر مضامين النظرية وتطبيقاتها في مجتمعات المحيط الهادئ ذات الخصائص المشتركة
وخلاصة القول إن نظرية فاافاي تعيد الاعتبار للثقافة المحلية مصدرًا للتفسير والوقاية في علم الجريمة، فتجعل من بناء أساس البيت الساموي استعارة حية لفهم أسباب الجريمة وسبل معالجتها، وتفتح الباب أمام مناهج وقائية تستند إلى الأسرة والكنيسة والمجتمع، على نحو يلائم ساموا ويلهم مجتمعات جنوب المحيط الهادئ المشابهة لها في البنية والقيم، وهي بذلك تجسد إمكان قيام علم جريمة جنوبي أصيل يتحدث بلغة المجتمعات التي يدرسها، وينطلق من رموزها وممارساتها اليومية، ويعيد وصل البحث الأكاديمي بحكمة المجتمعات المحلية المتراكمة عبر الأجيال








