تتناول هذه الدراسة العلاقة بين جودة الخدمة المدركة ورضا العملاء في قطاع الطيران، إذ تشتد المنافسة بين شركات الطيران إلى حد يجعل الاهتمام بجودة الخدمة أولوية لا غنى عنها لمن ينشد النجاح المستدام، فالمسافر المعاصر يقارن بين البدائل المتاحة له في ضوء تجربته الكلية، ويبني ولاءه واتجاهاته نحو الشركة على ما يدركه من مستوى الخدمة المقدمة إليه في مراحل رحلته المختلفة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى أدوات قياس دقيقة تقف على أبعاد الجودة كما يراها العميل نفسه، وتحدد وزن كل بعد في تشكيل رضاه العام
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر جودة الخدمة المدركة في رضا العملاء لدى المسافرين جوًا في تركيا، مستندة في ذلك إلى نموذج جودة خدمات الطيران المعروف باسم إيركوال، وهو نموذج متخصص في قياس جودة الخدمة في هذا القطاع عبر أبعاد متعددة، وقد جُمعت البيانات بواسطة استبانة يعبئها المستجيب بنفسه، وطُبقت على عينة بلغت 242 مشاركًا اختيروا بأسلوب العينة التطوعية في مطار سامسون تشارشامبا في تركيا، واعتمد التحليل على مقاربة تحليلية متعددة جمعت بين أسلوبين متكاملين، أولهما نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية لاختبار العلاقات بين أبعاد الجودة والرضا، وثانيهما نمذجة الشبكات العصبية الاصطناعية للتحقق من قوة النتائج وترتيب الأبعاد بحسب أهميتها النسبية في التنبؤ بالرضا، ويمنح هذا الجمع بين الأسلوبين الدراسة قدرة مزدوجة على تفسير العلاقات والتنبؤ بها في آن واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن أبعاد نموذج إيركوال الخمسة جميعها تؤثر في رضا العملاء تأثيرًا إيجابيًا ودالًا إحصائيًا، بما يعني أن تحسين أي بعد من أبعاد الجودة المدركة ينعكس مباشرة في ارتفاع مستوى الرضا لدى المسافرين، وجاءت نتائج الشبكات العصبية الاصطناعية مؤيدة لهذه الخلاصة ومعززة لها، إذ حددت التحليلات بعدين بوصفهما الأقوى في التنبؤ برضا العملاء استنادًا إلى الأهمية النسبية، وهما الصورة الذهنية لشركة الطيران، والعناصر الملموسة الخاصة بها التي يدركها المسافر بحواسه أثناء التجربة، ويشير تقاطع نتيجتي الأسلوبين إلى متانة العلاقة بين الجودة المدركة والرضا، فحين يتفق أسلوب تفسيري مع أسلوب تنبؤي على النتيجة ذاتها ترتفع درجة الثقة في الاستنتاجات المستخلصة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل النتائج دلالات عملية لمديري شركات الطيران وصناع القرار فيها، فترتيب الأبعاد بحسب قوتها التنبؤية يوجه الاستثمار نحو ما يصنع الفرق الأكبر في رضا المسافر، وفي مقدمته بناء صورة ذهنية إيجابية للشركة والعناية بالعناصر الملموسة التي تشكل الانطباع الأول والأخير لدى العميل، كما تؤكد الدراسة أن الاهتمام بأبعاد الجودة لا ينبغي أن يكون انتقائيًا، إذ إن الأبعاد الخمسة كلها ذات أثر دال، فإهمال أي منها قد يضعف التجربة الكلية مهما ارتفع مستوى غيره، وعلى المستوى البحثي يقدم الجمع بين نمذجة المعادلات البنائية والشبكات العصبية نموذجًا منهجيًا يمكن البناء عليه في دراسات جودة الخدمة في قطاعات خدمية أخرى تتسم بتعقد تجربة العميل وتعدد أبعادها
وتكتسب الدراسة أهميتها أيضًا من خصوصية قطاع الطيران ذاته، فهو قطاع خدمي تتكثف فيه لحظات الاحتكاك بالعميل وتتعدد نقاط التماس بين الشركة والمسافر، ومن ثم لا تقاس جودته بمعايير عامة مستعارة فحسب، بل تحتاج إلى نموذج متخصص يراعي طبيعة هذه الصناعة وخصائصها مثل نموذج إيركوال، وفي الوقت نفسه تجدر الإشارة إلى أن البيانات جُمعت في مطار واحد وبأسلوب العينة التطوعية، وهو ما يدعو إلى حذر مناسب عند تعميم النتائج على مطارات وشركات وسياقات ثقافية أخرى، وإن كانت المقاربة التحليلية المزدوجة تمنح النتائج قاعدة صلبة، فاتفاق أسلوب تفسيري وآخر تنبؤي على الخلاصة ذاتها وترتيب الأبعاد عينه يقلل احتمال أن تكون النتيجة وليدة خصائص أسلوب بعينه أو قيوده، ويعني ذلك عمليًا أن قرارات تحسين الخدمة يمكن أن ترتب بحسب عائدها المتوقع على رضا المسافر بدلًا من توزيع الجهود والموارد بالتساوي على كل شيء دون أولويات
وخلاصة القول إن رضا المسافر ثمرة مباشرة لجودة الخدمة كما يدركها هو لا كما تخطط لها الشركة فحسب، وإن الاستثمار المتوازن في أبعاد الجودة كافة، مع أولوية خاصة للصورة الذهنية والعناصر الملموسة، يمثل الطريق الأقصر لبناء رضا مستدام في سوق طيران شديد التنافس لا يمنح المتقاعسين عن تطوير خدماتهم فرصة طويلة للبقاء








