دخلت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ميدان الترجمة بقوة، وفي مقدمتها تشات جي بي تي الذي صار متاحًا لطلاب الترجمة ومعلميهم على نطاق واسع، فأثار أسئلة حول أثر استخدامه في الترجمة الأدبية تحديدًا، بما تتطلبه من حساسية لغوية وثقافية وقدرة على نقل الأسلوب والروح، فبينما يرى فيه بعضهم مساعدًا يرفع الكفاءة والثقة، يخشى آخرون أن يضعف مهارات المترجم الإنسان أو يقدم نصوصًا بلا روح، وبين هذين الموقفين تبرز الحاجة إلى أدلة تجريبية تقيس أثر التدريب المنظم على استخدام تشات جي بي تي في كفاءة الطلاب المترجمين الذاتية وارتياحهم وانفتاحهم على التقنية، ومن هذا المنطلق صُمم التدخل الذي تختبره الدراسة الحالية وتقيس آثاره المتعددة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر تدخل يستخدم تشات جي بي تي في الترجمة الأدبية في مستوى ارتياح طلاب الترجمة من متعلمي الإنجليزية لغة أجنبية، وكفاءتهم في استخدام أدوات الترجمة الآلية، وانفتاحهم على تبني تقنية الذكاء الاصطناعي، وكفاءتهم الذاتية في الترجمة الأدبية، إضافة إلى تحديد الفوائد والحدود التي يبلغ عنها المشاركون عند استخدام تشات جي بي تي، واعتمدت تصميمًا تجريبيًا قبليًا بعديًا وشارك فيها خمسون طالبًا مترجمًا جُمعوا بعينة قصدية غير احتمالية، وجمعت البيانات باستبانة للكفاءة الذاتية المدركة طُبقت قبل التدخل وبعده متضمنة أسئلة مفتوحة، وبمقابلات شبه مقننة لاحقة استكشفت تجربة الطلاب وتصوراتهم بعمق
ويميز تصميم الدراسة جمعه بين القياس الكمي والتقصي النوعي، إذ لم يكتف بمقارنة درجات الكفاءة الذاتية قبل التدخل وبعده، بل تتبع بأدواته المفتوحة والمقابلات ما وراء الأرقام من فوائد عملية أحس بها الطلاب وحدود أزعجتهم، فجاءت الصورة مزدوجة، أثر قابل للقياس في الكفاءة والثقة، وفهم أعمق لكيفية تغير علاقة الطالب المترجم بالأداة
ثانيًا: أبرز النتائج
دل التحليل الكمي على فاعلية تدخل الدراسة في رفع كفاءة الطلاب المترجمين في استخدام أدوات الترجمة الآلية ومستوى ارتياحهم في التعامل معها، وظهرت فروق ذات دلالة إحصائية في معتقدات الطلاب حول كفاءتهم الذاتية قبل التدخل وبعده، كما ظهر فرق دال في ثقة الطلاب بأنفسهم مترجمين مصحوبًا بحجم أثر متوسط، فلم يكن التحسن هامشيًا بل ملموسًا عمليًا، وكشفت إجابات الطلاب عن الأسئلة المفتوحة في الاستبانة فوائد ملحوظة وحدودًا ملموسة لاستخدام تشات جي بي تي في الترجمة الأدبية، وأسفر التحليل النوعي لبيانات المقابلات عن رؤى قيمة حول الأثر التحويلي لتدخل تشات جي بي تي في انفتاح الطلاب وارتياحهم وثقتهم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الترجمة الأدبية
ويلاحظ أن أثر التدخل امتد من المهارة التقنية إلى الموقف النفسي من التقنية ذاتها، فالطلاب الذين أتقنوا توظيف تشات جي بي تي صاروا أكثر ارتياحًا له وأكثر انفتاحًا على تبني أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم الترجمي، وأكثر وعيًا في الوقت نفسه بما يعجز عنه في النص الأدبي من دقة الأسلوب وحضور الصوت الإنساني، فلم يصنع التدريب إعجابًا ساذجًا بالأداة بل ثقة منضبطة بحدودها وإمكاناتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبع دلالة الدراسة من إظهارها أن أثر تشات جي بي تي في طلاب الترجمة لا يتوقف على الأداة ذاتها بل على التدريب المنظم على استخدامها، فحين يتدرب الطلاب على توظيف الأداة ونقد مخرجاتها وتحريرها تتحسن كفاءتهم التقنية وترتفع كفاءتهم الذاتية وثقتهم، وتنفتح اتجاهاتهم نحو التقنية دون أن يفقدوا وعيهم بحدودها في النصوص الأدبية، وتدعو هذه النتائج برامج إعداد المترجمين إلى دمج تدريب مقصود على أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن مقررات الترجمة الأدبية بدل منعها أو ترك استخدامها عشوائيًا، مع بناء أنشطة تنمي الحكم النقدي على المخرجات الآلية وتحفظ للمترجم الإنسان دوره في الأسلوب والذوق والسياق الثقافي، وتفتح الباب لدراسات أوسع بعينات أكبر وقياسات أداء فعلية للنصوص المترجمة
وتشير النتائج أيضًا إلى أولويات لتطوير التدخل نفسه، كإفراد وحدات للتحقق من المخرجات الآلية ومقارنتها بترجمات بشرية مرجعية، وبناء معايير يقيم بها الطالب جودة نص أدبي مترجم آليًا، وتوظيف ملفات تعلم تراكمية يوثق فيها الطالب قراراته التحريرية، بحيث يتحول استخدام الذكاء الاصطناعي إلى ممارسة مهنية منعكسة تؤهل الطالب لسوق عمل يتغير بسرعة
وخلاصة القول إن تدريب طلاب الترجمة على استخدام تشات جي بي تي في الترجمة الأدبية أثبت أثرًا إيجابيًا في كفاءتهم التقنية وارتياحهم وثقتهم وكفاءتهم الذاتية، بحجم أثر متوسط في الثقة ورؤى نوعية تؤكد تحول اتجاهاتهم نحو التقنية، فصار السؤال التربوي ليس هل يستخدم الطلاب الذكاء الاصطناعي، بل كيف يدربون على استخدامه بحكمة ونقد ومسؤولية مهنية








