تتناول هذه الدراسة جودة التدريس في تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات من منظور الطلاب الموهوبين، إذ تؤدي جودة التدريس دورًا حاسمًا في فاعلية هذا التعليم، ويُعد تحسينها المدخل الأوعد لرفع مستوى التحصيل فيه، غير أن المعلمين يواجهون في العادة تباينًا كبيرًا في قدرات طلابهم واهتماماتهم وحاجاتهم، مما يجعل الحفاظ على تدريس عالي الجودة لجميع المتعلمين تحديًا حقيقيًا داخل الفصول المختلطة المستويات، ومن هنا يُطرح أن البرامج الإثرائية خارج المدرسة التي تستهدف فئة طلابية أكثر تجانسًا قد تلبي حاجات الطلاب بصورة أفضل وتحقق جودة تدريس أعلى مما هو متاح في سياقهم المعتاد، وفي المقابل قد تتأثر تقييمات الطلاب لدروسهم المدرسية المعتادة سلبًا بآثار المقارنة المرجعية حين يلتحقون ببرامج خارجية عالية الجودة يقيسون عليها تجربتهم المدرسية، وتسد الدراسة فجوة بحثية تتمثل في ندرة الدراسات المقارنة لجودة التدريس بين الحصص المعتادة والبرامج خارج المدرسة من منظور المتعلمين أنفسهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى مقارنة جودة التدريس في الحصص المدرسية المعتادة وبرنامج إثرائي متخصص خارج المدرسة في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات مخصص للطلاب ذوي الموهبة العالية، واستندت إلى بيانات هذا البرنامج الإثرائي المتخصص، إذ قيّم 67 طالبًا موهوبًا بمتوسط حسابي لنسبة الذكاء بلغ 133.7 وانحراف معياري قدره 7.2 جودة التدريس والمناخ الدافعي في سياقيهما التعليميين، وقورنت تصوراتهم عن المناخ الدافعي وجودة التدريس في دروسهم المعتادة، وهي دروس الرياضيات تحديدًا، بتصورات أقرانهم الذين رُشحوا للبرنامج ولم يلتحقوا به لحصولهم على درجات أدنى في اختبار القدرة المعرفية وعددهم 268 طالبًا، وبذلك أتاحت الدراسة مقارنة مزدوجة بين سياقي التعلم من منظور الطلاب أنفسهم، ومقارنة ثانية بين الملتحقين بالبرنامج وأقرانهم غير الملتحقين حول تقييم الدروس المعتادة، وهي مقارنة تكشف ما إذا كان الالتحاق بالبرنامج الإثرائي يعيد تشكيل نظرتهم إلى تعليمهم المدرسي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الطلاب المشاركين في البرنامج الإثرائي خارج المدرسة أبلغوا عن مناخ دافعي وجودة تدريس أعلى في البرنامج الإثرائي مقارنة بحصصهم المعتادة في الرياضيات، فقد وجد الموهوبون في بيئة البرنامج الإثرائي تجربة تعلم أكثر تحفيزًا وأعلى جودة من وجهة نظرهم، وهو ما يتسق مع فكرة أن تجانس الفئة المستهدفة وتركيز البرنامج يتيحان تدريسًا أعمق وأقرب إلى حاجاتهم المعرفية، وفي الوقت نفسه جاءت تصورات طلاب البرنامج عن المناخ الدافعي وجودة التدريس في البيئة المدرسية المعتادة مشابهة لتصورات أقرانهم الذين لم تتح لهم فرصة الالتحاق بالبرنامج المتخصص، وهو ما يعني أن الالتحاق بالبرنامج عالي الجودة لم يدفع طلابه إلى خفض تقييمهم لدروسهم المدرسية المعتادة، وأن آثار المقارنة المرجعية السلبية المتوقعة نظريًا لم تظهر في هذه البيانات، فبقي تقييم السياق المدرسي مستقرًا لدى المجموعتين رغم اختلاف فرص الإثراء المتاحة لكل منهما
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير نتائج هذه الدراسة إلى أن البرنامج الإثرائي خارج المدرسة الذي فحصته الدراسة يشكل بيئة تعلم قيّمة تلبي حاجات الطلاب الموهوبين وتثري تجاربهم التعليمية وتنمي دافعيتهم، وهو ما يدعم الاستثمار في برامج إثرائية متخصصة تستهدف فئات متجانسة من المتفوقين دون خشية أن ينعكس ذلك سلبًا على رضاهم عن تعليمهم المدرسي المعتاد أو على دافعيتهم داخل مدارسهم، وتسهم الدراسة في فهم أعمق للفروق المدركة في جودة التدريس بين السياقات التعليمية المختلفة، وتضيف إلى أدبيات تعليم الموهوبين منظور المتعلمين أنفسهم الذي كثيرًا ما يغيب لصالح منظور المعلمين والإداريين، وتفيد واضعي سياسات تعليم الموهوبين والمعلمين في تقدير القيمة المضافة للبرامج خارج المدرسة وتصميمها، كما تفتح المجال لدراسات لاحقة تتناول جودة التدريس في سياقات إثرائية متنوعة وفئات طلابية أخرى، وتفحص العوامل التي تجعل بيئة تعليمية ما أكثر تحفيزًا في أعين المتعلمين
وتتسق هذه الصورة مع ما يقدمه البرنامج الإثرائي من بيئة مركزة تلائم إيقاع تعلم الموهوبين وعمق اهتماماتهم، إذ يجد الطالب فيه أقرانًا يشاركونه المستوى والاهتمام ومهام تتحدى قدراته بدرجة أكبر، بينما تبقى الحصة المدرسية المعتادة مطالبة بمراعاة فروق أوسع بين مستويات الطلاب، فتتوزع جودتها المدركة على حاجات أكثر تنوعًا، ومن اللافت أن هذا التباين في التقييم لم ينعكس سلبًا على موقف الطلاب من مدرستهم، وهو ما يطمئن القائمين على برامج الموهوبين إلى أن الإثراء الخارجي يكمل المدرسة ولا ينافسها في أعين طلابها ولا يزعزع انتماءهم إليها
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قارنت جودة التدريس بين الحصص المعتادة وبرنامج إثرائي خارج المدرسة من منظور الطلاب الموهوبين، فوجدت تفوقًا للبرنامج الإثرائي في المناخ الدافعي وجودة التدريس، دون أن يصاحب ذلك تدنٍّ في تقييم الدروس المدرسية المعتادة، بما يؤكد القيمة التعليمية للبرامج الإثرائية المتخصصة في رعاية الموهوبين وإثراء تعلمهم








